من الطبيعى جدا، أن هذا البحث على هذا النمط -كما هو واضح لدى أهل هذا الفن لم يبحث من قبل، على هذا النهج، لان كثيرا ما ينقل على الالسنة، أن أحاديث المغازى والسير، وفضائل الاعمال، والملاحم، والرقاق ونحوها، مما وقع فيها التساهل منذ قديم الزمان، فينظر إليها المحدثون القدماء وغيرهم بغير النظرة التى ينظرون بها إلى أحاديث الأحكام، والعقائد، وهذا القول كثرا ما ينسب الى الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللَّه تعالى، كما نقله فضيلة الشيخ حسن مشاط فى انارة الدجى فى مغازى خير الورى (١) وعند البحث عن اسناده فوجد عند الخطيب البغدادى إذ قال رحمه اللَّه تعالى باسناده الجيد عن الإمام أحمد بن حنبل:
قال رحمه اللَّه تعالى: إذا روينا عن رسول اللَّه -ﷺ- فى الحلال، والحرام، والسنن، والاحكام، تشددنا فى الاسانيد، وإذا روينا عن النبي -ﷺ- فى فضائل الاعمال، وما لا يضع حكما، ولا يرفعه، تساهلنا فى الاسانيد (٢).
_________________
(١) ص ١٧ الطبعة الأولى.
(٢) الكفاية فى علم الرواية ص ١٣٤.
[ ٢٣ ]
قلت: هذا هو الميزان الصحيح الذى وضعه المحدثون القدماء، وعلى رأسهم جبل السنة وأمام الهدى أحمد بن حنبل الشيبانى رحمه اللَّه تعالى فى الاستدلال بالحديث الضعيف أو استعماله للشواهد، أو المتابعات ولا يمكن حمل قولهم رحمهم اللَّه تعالى على الحديث الضعيف. الذى ضعف اسناده الى حد لا يمكن أن يتحمل ضعفه، أو يتقوى به حديث آخر مثله زيادة على ذلك أن التقسيم الحاضر للحديث الى ثلاثة اقسام معروفة لم يكن الا من وضع متأخرى أهل الحديث، وهو معروف عند أهله، كما قال الامام ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: إن هذا التقسيم إذا كان بالنسبة الى ما فى نفسى الامر فليس الا صحيح، أو ضعيف (١).
قلت: فالحديث الضعيف المراد به من قولهم هو الحديث الحسن الذى جعل فى النهاية قسما متوسطا لدى المتأخرين.
فعلى هذه القاعدة المعروفة التى أشرت إليها آنفا وضعت أساس هذه الدراسة المتواضعة متطفلا على مائدة هؤلاء العباقرة الامجاد رحمهم اللَّه تعالى.
وحقا: عند بدء هذه الدراسة واجهتنى بعض المشاكل من نواح متعددة:
أ- إن هذا الموضوع لم يبحث من قبل على هذا النمط، حتى يمكن الاستهداء به ولو فى بعض الأمور.
ب- عدم وجود المشرف الذى يتطلبه البحث فى بداية الأمر، لأن من عرف هذه الدراسة النقدية والتخريجية وعاش فيها وقتا طويلا،
_________________
(١) الباعث الحثيث ص ٢٠.
[ ٢٤ ]
يغفل أحيانا عن معرفة بعض رجال الاسناد، خصوصا إذا اتفقت اسمائهم، واسماء آبائهم، واسماء بلدانهم، وهم فى طبقة واحدة، وقد اتفق أخذهم الحديث عن شيخ واحد، فهناك يحصل الخلط بين اسمائهم، وعدم التمييز بينهم، وهذا من أخطر شئ مرّ عليّ فى هذه الدراسة، انظر ما قاله الحاكم فى علوم الحديث عن هذا الموضوع (١) كيف لا يحصل هذا، وأنا حالي كرجل يلقى نفسه فى اليم ولا يحسن العوم؟
وقد وقع مثل هذا الخطأ عن أمير المؤمنين فى الحديث، الامام أبى عبد اللَّه محمد بن اسماعيل البخارى رحمه اللَّه تعالى فى -تاريخه الكبير، ذاك الجهبذ الكبير، والناقد البصير الذى اتسم كتابه العظيم "صحيح البخارى" بما اتسم به من الدرجة العالية، والمنزلة الرفيعة، من حيث القبول والاقبال عليه، حتى أصبح أصح كتاب بعد كتاب اللَّه تعالى.
قال الامام أبو القاسم الرافعى الكبير باسناده الجيد، عن أبى زيد المروزى، الفقيه، قال: كنت نائما بين الركن والمقام، فرأيت النبي -ﷺ- فى المنام، فقال: يا أبا زيد: إلى متى تدرس كتاب الشافعى، ولا تدرس كتابي؟
فقلت: يا رسول اللَّه: وما كتابك؟
قال: هو جامع محمد بن اسماعيل البخاري (٢).
_________________
(١) علوم الحديث للحاكم ص ٢٢٥ - ٢٢٩.
(٢) التدوين فى اخبار أهل العلم بقزوين ١٦١ - ١٧٨ خ انظر مقدمة فتح البارى ص ٤٦٠.
[ ٢٥ ]
قلت: مع هذه المنزلة الرفيعة، لم يسلم عن الخطأ رحمه اللَّه تعالى تاريخه الكبير فيأتى ابن أبى حاتم الرازى صاحب كتاب الجرح والتعديل المتوفى سنة ٣٢٧ هـ، فيستدرك عليه، فى كتابه بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخارى فى التاريخ (١)، ثم يأتى الخطيب البغدادى المتوفى سنة ٤٦٣ فيكتب كتابا مفصلا، ويسميه موضح أوهام الجمع والتفريق (٢) كأنه يرد على ابن أبى حاتم فى كتابه الآنف الذكر، فى بعض المواضع، ويخطئ البخارى رحمه اللَّه تعالى فى مواضع أخرى، لم يشر إليها ابن أبى حاتم الرازى، وهكذا يأتى الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمى رحمه اللَّه تعالى فيكتب مقدمة جميلة للغاية، على كتاب الخطيب المذكور يدافع فيها عن الإمام البخارى رحمه اللَّه تعالى، ويذكر أوهام الخطيب الخفية.
كما وقع مثل هذا الخطأ بل أقبح منه، ما وقع عن الشيخ محمد زاهد الكوثرى: كتابه، تأنيب الخطيب على ما ساقه فى ترجمة أبى حنيفة من الأكاذيب (٣) ثم استدرك عليه الشيخ العلامة الامام عبد الرحمن بن يحيى المعلمى فى كتابه الفذ "التنكيل بما فى تأنيب الكوثرى من الاباطيل" (٤).
_________________
(١) هو مطبوع بالهند الطبعة الأولى ١٣٨٠ بتحقيق العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمى ﵀.
(٢) هو مطبوع بالهند فى جزئين متوسطين ١٣٧٨ بتحقيق الشيخ المعلمى ﵀.
(٣) طبع الكتاب بمصر الطبعة الأولى، ١٣٦١.
(٤) طبع الكتاب فى جزئين بدمشق نشره العالم السلفى الشيخ محمد نصيف ﵀، الطبعة الأولى أعيد تصويره فى الرياض من قبل الرئاسة العامة لشئون الافتاء والدعوة بعدد كثير جدا.
[ ٢٦ ]
فإذا عرفت هذا -فاعلم أن هذا من أخطر الفنون الاسلامية، ومنه تتسرب العلل غالبا فى الحديث.
ولقد وقع مثل هذه الاوهام عن جملة عن أعلام المحدثين الكبار، كما ستراها إن شاء اللَّه تعالى مفصلا فى طيات هذه الرسالة المتواضعة.
فإذا كان الأمر كما ذكر، فإنا من باب أولى أن يزل قدمى، ويضطرب قلبي، لانى لم أحمل رصيدا علميا كافيا، يمكن لى الاستقلال به.