قال اللَّه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ التوبة: ٨٠.
قال أبو جعفر: يقول اللَّه تعالى ذكره لنبيه -ﷺ-: ادع اللَّه لهؤلاء المنافقين الذين وصفت لك صفاتهم فى هذه الآية بالمغفرة، أو لا تدع لهم بها، هذا كلام خرج مخرج الامر، وتأويله الخبر، ومعناه: ان استغفرت لهم يا محمد، أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر اللَّه لهم. وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ يقول: إن تسأل لهم أن تستر عليهم ذنوبهم، بالعفو منه لهم عنها، وترك فضيحتهم بها، فلن يستر اللَّه عليهم، ولن يعفو لهم عنها، ولكنه يفضحهم بها على روؤس الأشهاد يوم القيامة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يقول جل ثناءه: هذا الفعل من اللَّه بهم، وترك عفوه لهم عن ذنوبهم من أجل أنهم جحدوا توحيد اللَّه ورسالة رسوله ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (١٩٨ - ١٩٩/ ١٠). =
[ ١٤٨ ]
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن كيع (١)، قال: ثنا عبدة بن سليمان (٢)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول، قال لاصحابه: لولا أنكم لا تنفقون على محمد وأصحابه، لانفضوا من حوله وهو القائل:
_________________
(١) = انظر تفسير ابن كثير مع البغوى (٢١٣ - ٢١٤/ ٤) فإنه قال رحمه اللَّه تعالى: يخبر اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلًا للاستغفار، وإنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر اللَّه لهم الخ. . . وقال القرطبى تحت هذه الآية الكريمة (٢١٥ - ٢١٨/ ٨): روى أن هذه الآية نزلت فى شأن عبد اللَّه بن أبى بن سلول وصلاة النبي -ﷺ-، ثبت فى الصحيحين وغيرهما وتظافرت الروايات بأن النبي -ﷺ- صلى عليه وأن الآية نزلت بعد ذلك. انظر التفسير الكبير للفخر الرازى (١٤٦ - ١٤٨/ ١٦) وأسباب النزول للواحدى ص ١٧٣. ولباب النقول للسيوطى ص ١٢٢ انظر كتاب الاعتبار للحازمى ص ١٩٢ - ١٩٣. انظر الدر المنثور للسيوطى (٢٦٤/ ٣). انظر تفسير القاسمى (٣٢١٣ - ٣٢١٦/ ٨). وكتاب التسهيل لعلوم التنزيل للكلبى (٨١/ ٢) وزاد المسير لإبن الجوزى (٤٧٧/ ٣). والكشاف للزمخشرى (٥٦٣/ ١) والبحر المحيط لابى حيان (٣٦/ ٥). وفتح القدير للشوكانى (٣٦٩ - ٣٧١/ ٢).
(٢) أما ابن وكيع فهو سفيان بن وكيع بن الجراح أبو محمد الرؤاسى الكوفى كان صدوقا الا أنه ابتلى بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه من العاشرة /ت ق. انظر التقريب (٣١٢/ ١).
(٣) اما عبدة بن سليمان فهو عبدة بن سليمان الكلابى، أبو محمد الكوفى، يقال اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين وقيل بعدها/ ع انظر تقربب التهذيب (٥٣٠/ ١).
[ ١٤٩ ]
﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ فأنزل اللَّه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال النبي -ﷺ- لأزيدن على السبعين، فأنزل اللَّه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فأبى اللَّه ﵎ أن يغفر اللَّه لهم (١).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (١٩٩/ ١٠). قلت: إن هذا الحديث بهذا الاسناد لم يصح لأن فيه سفيان بن وكيع بن الجراح الرؤاسى الذى هو ساقط الحديث كما مر بكم فى ترجمته. وأما المتن فإنه روى عن عدة طرق ومنها طريق عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه فقد أخرج البخارى فى الصحيح والإمام أحمد فى مسنده والترمذى فى السنن والنسائى أيضا وابن أبى حاتم والنحاس وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم فى حلية الأولياء عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول لما توفى عبد اللَّه بن أبيّ دعى رسول اللَّه -ﷺ- ثم ذكر النص انظر الدر المنثور للسيوطى (٢٦٤/ ٣). وفتح البارى (١١٠/ ٣) و(٢٥١/ ٨) انظر النووى على مسلم (١٢١/ ١٧). أخرجه البخارى فى عدة مواضع من جامعه فى كتاب الجنائز. إذ قال رحمه اللَّه تعالى باب الكفن فى القميص الذى يكف أو لا يكف الخ. . والموضع الثاني من كتاب التفسير، والموضع الثالث فى كتاب الجهاد تحت باب الكسوة للاسارى انظر تخريج الحديث فى فتح البارى (٣٧٠/ ٨) والموضع الرابع. فقد أخرجه فى كتاب اللباس والموضع الخامس: فقد أخرجه فى كتاب الجنائز تحت باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة. أما المواضع التى أخرجه مسلم فمنها فى كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ومنها فى كتاب الفضائل تحت باب من فضائل عمر رضي اللَّه تعالى عنه ثم ساق الاسناد وأما المواضع التى أخرجه فيها الإمام أحمد فى مسنده فمنها فى مسند عبد اللَّه بن عمر انظر المسند (١٨/ ٢) و(٣٧١/ ١)، (٢٦٨ و٣٣٩/ ١)، (٣٤٨/ ٢)
[ ١٥٠ ]
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن حميد (١) وابن وكيع (٢)، قالا: ثنا جرير (٣)، عن مغيرة (٤) عن شباك (٥) عن الشعبى (٦)، قال: دعا عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبى سلول النبي -ﷺ- الى جنازة أبيه فقال له النبي -ﷺ-: من أنت؟ قال: حباب بن عبد اللَّه بن أبيّ، فقال له النبي -ﷺ-: بل أنت عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول أن الحباب هو الشيطان، ثم قال النبي -ﷺ-: انه قد قيل لى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، ان
_________________
(١) ابن حميد هو محمد بن حميد بن حيان الرازى حافظ ضعيف وكان ابن معين حسن الرأى فيه (/ د - ت - ق). انظر تقريب التهذيب (١٥٦/ ٢).
(٢) ابن وكيع هو سفيان بن وكيع بن الجراح وقد مر بكم أنه ساقط الحديث.
(٣) وجرير، هو جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبى أبو عبد اللَّه الرازى نزيل الرأى ثقة صحيح الكتاب/ ع انظر تقريب التهذيب (١٢٧/ ١).
(٤) مغيرة، هو المغيرة بن مقسم بكسر الميم، الضبى مولاهم، أبو هشام الكوفى الاعمى ثقة متقن، الا أنه كان يدلس ولا سيما عن ابراهيم النخعى انظر التقريب (٢٧٠/ ٢)، وطبقات المدلسين للحافظ ابن حجر ص ١٦ فإنه ذكره فى الطبقة الثالثة.
(٥) شباك، هو شباك: بكسر أوله ثم موحدة خفيفة ثم كاف، الضبى الكوفى الاعمى ثقة وكان يدلس من السادسة/ م د س ق. انظر تقريب التهذيب (٣٤٥/ ١) ولم يذكره الحافظ فى طبقات المدلسين.
(٦) الشعبى، هو عامر بن شراحيل الشعبى بفتح المعجمة، أبو عمرو ثقة مشهور فقيه فاضل من الثالثة/ ع انظر تقريب التهذيب (٣٨٧/ ١).
[ ١٥١ ]
تستغفر لهم، سبعين مرة فلن يغفر اللَّه لهم، فأنا أستغفر لهم سبعين وسبعين وسبعين وألبسه النبي -ﷺ- قميصه وهو عرق (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ التوبة: ٨١.
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فرح المخلفون عن الغزو مع رسوله والمؤمنين به، وجهاد أعدائه ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ يقول: بجلوسهم فى منازلهم خلف رسول اللَّه ﷺ، يقول على الخلاف لرسول اللَّه فى جلوسه ومقعده، وذلك أن رسول اللَّه -ﷺ- أمرهم بالنفر الى جهاد أعداء اللَّه، فخالفوا أمره وجلسوا فى منازلهم، وقوله (خلاف) مصدر من قول القائل: خالف فلان فلانا، فهو يخالفه خلافا، فذلك جاء مصدره
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (١٩٩/ ١٠). قلت انفرد ابن جرير الطبرى باخراج هذا الاثر فى تفسيره فيما أظن ومن المعلوم أن هذا الاثر ليس بصحيح بهذا الاسناد لان فيه محمد بن حميد بن حيان الرازى وهو ضعيف وسفيان ابن وكيع وهو ساقط الحديث. وأما تسمية حباب بن عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول بعبد اللَّه فقد ذكره ابن سعد فى الطبقات (٥٤٠ - ٥٤٢/ ٣) باسانيد مختلفة وبعضها صحيحة واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٥٢ ]
على تقدير فعال كما يقال: قاتله، فهو يقاتله، قتالا، ولو كان مصدره من خلفه لكانت القراءة بمقعدهم خلف رسول اللَّه لأن مصدر خلفه خلف، لا خلاف، ولكنه على ما بينت من أنه مصدر خالف، فقرئ خلاف رسول اللَّه، وهي القراءة التى عليها قراءة الأمصار، وهى الصواب عندنا ثم ذكر أبو جعفر بقية التفسير (١).
قال ابن جرير الطبرى:
حدثنا محمد بن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر،
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٠ - ٢٠١/ ١٠). قال القرطبى فى تفسيره تحت هذه الآية: (٢١٦/ ٨) المخلف المتروك، أى خلفهم اللَّه وثبطهم أو خلفهم رسول اللَّه -ﷺ- والمؤمنون لما علموا تثاقلهم عن الجهاد وكان هذا فى غزوة تبوك. وقال ابن كثير فى تفسيره: يقول اللَّه تعالى ذاما للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول اللَّه -ﷺ- فى غزوة تبوك. ثم ذكر الآثار. انظر التفسير المذكور مع البغوى (٢١٤/ ٤) وقال ابن الجوزى فى زاد المسير (٤٧٨/ ٣): بأن قعدوا لمخالفة رسول اللَّه -ﷺ- قاله الزجاج. وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر، والأعمش، وابن أبى عبلة خلف رسول اللَّه -ﷺ- ومعناها أنهم تأخروا عن الجهاد. انظر البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٧٨) انظر الدر المنثور للسيوطى (٣/ ٢٦٥). انظر الكشاف للزمخشرى (١/ ٥٦٣) انظر لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطى ص ١٢١. . . انظر كتاب الاعتبار للحازمى ١٩٢ وكتاب التسهيل لعلوم التنزيل للكلبى (٨١/ ٢). والتفسير الكبير للرازى (١٤٨ - ١٤٩/ ١٦) وفتح البيان لصديق حسن خان (١٧٠ - ١٧١/ ٤). وفتح القدير للشوكانى (٣٦٩ - ٣٧١/ ٢) أحكام القرآن للامام الشافعى (٢٠ - ٢١/ ٢).
[ ١٥٣ ]
عن قتادة فى قوله ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قال: عن غزوة تبوك (١).
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ذكر قول بعضهم لبعض، حين أمر رسول اللَّه -ﷺ- بالجهاد وأجمع السير
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠١/ ١٠). قلت: رجال هذا الاسناد كلهم ثقات وليس بينهم انقطاع. والاثر مقطوع -كما علمت- من كلام قتادة رحمه اللَّه تعالى. انظر: الدر المنثور للسيوطى (٢٦٥/ ٣) فإنه نسب اخراج هذا الاثر الى ابن أبى حاتم وأبى الشيخ ولم يذكر ابن جرير الطبرى. = زاد المسير لابن الجوزى (٤٧٨/ ٣). = تفسير ابن كثير مع البغوى (٢١٤ - ٢١٥/ ٤). = تفسير القرطبى (٢١٦ - ٢١٧/ ٨). = فتح القدير للشوكانى (٣٦٩/ ٢). = كتاب التسهيل لعلوم التنزيل للكلبى (٨١/ ٢). ولم أر تحت هذه الآية عند ابن جرير الطبرى الا هذا الاثر المقطوع وأما بقية الآثار الاخرى فإنها ضعيفة جدا وهى مقطوعة أيضا ولذا لم أذكرها. وانظر: فتح البيان للسيد صديق حسن خان (١٧٠ - ١٧١/ ٤). والتفسير الكبير للرازى (١٤٨ - ١٤٩/ ١٦). تفسير روح المعانى اللألوسى (١٥٠ - ١٥٢/ ١٠).
[ ١٥٤ ]
الى تبوك على شدة الحر، وجدب البلاد، يقول اللَّه جلّ ثناءه ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ التوبة: ٨٢.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى ذكره: فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول اللَّه -ﷺ- فليضحكوا فرحين قليلا فى هذه الدنيا الفانية، بمقعدهم خلاف رسول اللَّه، ولهوهم عن طاعة ربهم، فإنهم سيبكون طويلا فى جهنم مكان ضحكهم القليل فى الدنيا جزاء يقول: ثوابا منا لهم على معصيتهم بتركهم النفر إذا استنفروا الى عدوهم وقعودهم فى منازلهم خلاف رسول اللَّه -ﷺ- ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يقول: بما كانوا يتحرجون من الذنوب (٢).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠١/ ١٠). قلت: إن هذا الاثر ضعيف مع أنه معضل بهذا الاسناد انظر سيره ابن هشام (٢/ ٥١٧) ومن المعلوم أن المتن قد روى من طرق أخرى صحيحة فلا اعتبار لهذا الاسناد. انظر: الدر المنثور للسيوطى (٣٦٥/ ٣). وتفسير القرطبى (٨/ ٢١٦). وفتح القدير للشوكانى (٣٧١/ ٢). وتفسير ابن جرير الطبرى بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر (٤٠٤/ ١٤) وانظر أثر رقم ١٧٠٣٦ و١٧٠١٢.
(٢) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٢/ ١٠).=
[ ١٥٥ ]
قال أبو جعفر:
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن (فليضحكوا قليلا) قال: ليضحكوا قليلا فى الدنيا (وليبكوا كثيرا) فى الآخرة فى نار جهنم (جزاءا بما كانوا يكسبون) (١).
_________________
(١) = انظر تفسير زاد المسير لابن الجوزى (٤٧٨/ ٣) وتفسير الرازى (١٤٨ - ١٤٩/ ١٦) (قال القرطبى فى تفسيره (٢١٦/ ٨): (فليضحكوا قليلا) أمر، معناه معنى التهديد وليس أمرًا بالضحك. والأصل أن تكون اللام مكسورة فحذفت الكسرة لثقلها. قال الحسن: "فليضحكوا قليلا" فى الدنيا "وليبكوا كثيرا" فى جهنم. وقيل: هو أمر بمعنى الخبر. قال ابن كثير فى تفسيره (٢١٦/ ٤) مع البغوى: قال ابن أبى طلحة عن ابن عباس: الدنيا قليله، فليضحكوا فيها ما شاءوا فإذا انقطعت الدنيا، وصاروا الى اللَّه ﷿ استأنفوا بكاءا لا ينقطع ابدا. وقال السيد قطب فى ظلال القرآن: (١٠٢/ ١٠) وإنه لضحك فى هذه الارض وأيامها المعدودة، وإنه بكاء فى أيام الآخرة الطويلة. وان يوما عند دلك كألف سنة مما تعدون ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فهو الجزاء من جنس العمل. وهو الجزاء العادل الدقيق. قلت: ولا منافاة بين هذه الأقوال المختلفة بل أنها كلها تشير الى معنى واحد.
(٢) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٢/ ١٠). قلت: إن هذا الاثر صحيح مقطوع، من كلام حسن البصرى رحمه اللَّه تعالى. وقد أخرج ابن جرير الطبرى فى تفسيره: اثرا آخر مقطوعا صحيحا من كلام قتادة رحمه اللَّه تعالى انظر التفسير المذكور فى نفس الصفحة المذكورة. وقال السيوطى: فى الدر المنثور (٢٦٥/ ٣) أخرج البخارى، والترمذي، وابن مردويه، عن أبى هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا".
[ ١٥٦ ]
قال أبو جعفر:
حدثنا علي بن داود (١)، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قال: هم المنافقون والكفار الذين اتخذوا دينهم هزوا ولعبا، يقول اللَّه ﵎ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ فى الدنيا ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ فى النار (٢).
_________________
(١) علي بن داود، هو علي بن داود بن يزيد القنطرى، بفتح القاف وسكون النون، الآدمي، صدوق، من الحادية عشرة، / ق انظر التقريب (٣٦/ ٢).
(٢) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٣/ ١٠). قلت: فى هذا الاثر انقطاع بين علي بن أبى طلحة وابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه إلا أنه ورد مقطوعا من عدة طرق الى قتادة ومجاهد وحسن البصرى رحمهم اللَّه تعالى. انه أثر صحيح محتج به عن المحدثين والمفسرين. قال الامام ابن كثير فى تفسيره (٤/ ٢١٦) مع البغوى -بعد اشارته الى هذه الرواية التى أخرجها ابن جرير الطبرى-: وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا عبد اللَّه بن عبد الصمد بن أبى خداش، حدثنا محمد بن جبير عن ابن المبارك، عن عمران بن زيد حدثنا يزيد الرقاشى، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم فى وجوههم، كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء، فتقرح العيون. قلت: يزيد الرقاش هذا، هو يزيد بن أبان الرقاشى، يتخفيف القاف ثم معجمة، أبو عمرو البصرى، القاص بتشديد المهملة زاهد، ضعيف من الخامسة مات قبل العشرة ومائة / بخ ت - ق انظر التقريب (٣٦١/ ٢).=
[ ١٥٧ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ التوبة: ٨٣.
قال أبو جعفر: يقول اللَّه تعالى لنبيه -ﷺ-: فإن ردك اللَّه يا محمد الى طائفة من هؤلاء المنافقين: من غزوتك هذه، فاستأذنوك للخروج معك فى أخرى غيرها. (فقل) لهم "لن تخرجوا معى أبدا، ولن تقاتلوا معى عدوا، إنكم ضيغ بالقعود أول مرة) وذلك عند خروج النبي -ﷺ- اللَّه الى تبوك. ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ يقول: فاقعدوا مع الذين قعدوا من المنافقين خلاف رسول اللَّه -ﷺ-، لأنكم منهم فاقتدوا بهديهم، واعملوا مثل الذى عملوا من معصية اللَّه، فإن إلهكم قد سخط عليكم (١).
_________________
(١) = قلت: إن هذه الرواية ضعيفة أيضا الا أن لها شاهدا قويا أخرجه الحافظ أبو بكر ابن أبى الدنيا فى كتاب الرقة والبكاء، انظر تفسير البغوى (٢١٦/ ٤). باسناد ضعيف آخر عن يزيد ابن رفيع انظر ميزان الاعتدال (١٠٣/ ٢) وان هذين الاثرين يتقويان بعضهما بالبعض الآخر واللَّه تعالى أعلم. وللحديث شواهد أخرى عن أبى هريرة أخرجها البخارى والترمذى وابن مردويه انظر الدر المنثور (٢٦٥/ ٣).
(٢) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٣/ ١٠). قلت: قال ابن الجوزى فى تفسيره (٤٧٩/ ٣): (فإن رجعك اللَّه) أى: ردك من غزوة تبوك الى المدينة (الى طائفة) من المنافقين الذين تخلفوا بغير عذر، وإنما قال: (الى طائفة) لأنه ليس كل=
[ ١٥٨ ]
قال أبو جعفر:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾. . . الى قوله ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أى مع النساء ذكر لنا أنهم كانوا اثنى عشر رجلا من المنافقين، فقيل فيهم ما قيل (١).
_________________
(١) = من تخلف عن تبوك كان منافقا. ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ معك الى الغزو، انظر اعجاز القرآن للباقلانى ص ٧٣. قال القرطبى فى تفسيره: (٢١٧/ ٨): وإنما قال (والى طائفة) لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان فيهم معذورون ومن لا عذر له ثم عفا عنهم وتاب عليهم كالثلاثة الذين خلفوا. ثم قال القرطبى: وإن قوله تعالى ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ كقوله تعالى فى سورة الفتح: ﴿فقل لن تتبعونا﴾. انظر: تفسير ابن كثير مع البغوى (٢١٧/ ٤). وروح المعانى للالوسى (١٥٢ - ١٥٣/ ١٠) والبحر المحيط لابى حيان (٨٠ - ٨١/ ٥) والتفسير الكبير لفخر الرازى (١٥٠ - ١٥١/ ١٦) وكتاب التسهيل لعلوم التنزيل للكلبى ٢/ ٨٢. وقال السيد قطب فى ظلال القرآن: (١٠٢ - ١٠٣/ ١٠) ان الدعوات فى حاجة الى طبائع صلبة مستقيمة ثابتة مصححة تصمد فى الكفاح الطويل الشاق. والصف الذى يتخلله الضعاف المسترخون لا يصمد فإنه يخذل فى ساعة الشدة والعسرة. الخ قلت: الامر كذلك لأنه ينتج من ذلك الخذلان والاندحار فى بقية الجيش.
(٢) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٤/ ١٠).=
[ ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلت: هذا الاثر صحيح الاسناد مع أنه مقطوع من كلام قتادة وأما ما ذكر قتادة رحمه اللَّه تعالى، من معنى الخالفين أى النساء. تعقبه ابن جرير الطبرى فى تفسيره إذ قال رحمه اللَّه تعالى: فقول لا معنى له، لأن العرب لا تجمع النساء إذا لم يكن معهن رجال بالياء والنون، ولا بالواو والنون، ولو كان معنيا بذلك النساء إذا لم يكن معهن رجال بالياء والنون، ولا بالواو والنون، ولو كان معنيا بذلك النساء، لقيل: فاقعدوا مع الخوالف، أو مع الخالفات ولكن معناه مما قلنا من أنه أريد به: فاقعدوا مع مرضى الرجال وأهل زمانتهم والضعفاء ومنهم النساء، وإذا اجتمع الرجال والنساء فى الخبر فإن العرب تغلب الذكور على الإناث، ولذلك قيل (فاقعدوا مع الخالفين). قلت: تعقيب ابن جرير الطبرى على قتادة فى تفسيره: قد يكون وجيها نظرًا لما ذكره. إلا أن تخلف النساء فى الغزوات كان كثيرا جدا بالنسبة للرجال الذين كانوا يتخلفون، ومن هنا يجوز لنا أن نقول إنما ذكره قتادة بن دعامة السدوسى فهو المراد إن شاء اللَّه تعالى واللَّه تعالى أعلم بالصواب. قال ابن كثير فى تفسيره: (٢١٧/ ٤) مع البغوى قال ابن عباس: أى الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة. وقال قتادة: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أى مع النساء قال ابن جرير: وهذا لا يستقيم لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون. . . الخ ثم رجح قول ابن عباس ﵄. قلت: إن اسناد الاثر الذى روى عن طريقه قول ابن عباس اثر ضعيف جدا وواه وهو مروى عن طريق مسلسل الضعفاء الذى يقال له: تفسير العوفى. وقال القرطبى فى تفسيره: (٢١٨/ ٨) وقال الحسن: مع النساء والضعفاء من الرجال فغلب المذكر. وقيل فاقعدوا مع الفاسدين، من قولهم فلان خالفه أهل بيته إذا كان فاسدا فيهم. من خلوف فم الصائم. ومن قولك خلف اللبن، أى فسد بطول المكث فى السقاء. ثم قال القرطبى: وهذا يدل على أن استصحاب المخذل فى الغزوات لا يجوز اهـ. انظر زاد المسير لابن الجوزى (٤٨٠/ ٣).
[ ١٦٠ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ التوبة: ٨٤.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه ﵎ لنبيه محمد -ﷺ-: ولا تصل يا محمد على أحد مات من هؤلاء المنافقين، الذين تخلفوا عن الخروج معك أبدا، ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ يقول: ولا تتول دفنه وتقبره، من قول القائل: قام فلان بأمر فلان: إذا ثولى أمره ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ يقول: إنهم جحدوا توحيد اللَّه ورسالة رسوله، وماتوا وهم خارجون عن الإِسلام، مفارقون أمر اللَّه ونهيه، وقد ذكر أن هذه الآية نزلت حين صلى النبي -ﷺ- على عبد اللَّه بن أبيّ (١).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٤/ ١٠). قلت: انظر أسباب النزول للواحدى ١٧٣ - ١٧٤ فإنه ذكر بسنده من عدة طرق صحيحة ما يدل على أن هذه الآية نزلت فى عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول. انظر زاد المسير لابن الجوزى (٤٠٦/ ١٤) وفتح الباري (١١٠/ ٣) والنووى على مسلم (١٢١/ ١٧) وأورده السيوطى فى الدر المنثور (٢٦٦/ ٣)، وزاد نسبته لابن أبى حاتم، وابن المنذر، وأبى الشيخ، وابن مردويه، والبيهقى، فى الدلائل. وانظر تفسير ابن كثير مع البغوى (٢١٧ - ٢٢١/ ٤) فإنه استوفى على حد كبير جمبع الروايات التى تحدد سبب نزول هذه الآية فى عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول عليه من اللَّه ما يستحق. وانظر فتح البارى (٢٦٨/ ٨). والحاوى للفتاوى للسيوطى (٢١/ ١).
[ ١٦١ ]