قال الحافظ نور الدين الهيثمي: باب غزوة تبوك:
من عمران بن حصين، أنه شهد عثمان بن عفان ﵁، أيام غزوة تبوك فى جيش العسرة، فأمر رسول اللَّه -ﷺ- بالصدقة، القوة والتأسى، وكانت نصارى العرب، كتبت الى هرقل، أن هذا الرجل الذى خرج، ينتحل النبوة، قد هلك، أصابته سنون، فهلكت أموالهم، فإن كنت تريد أن تلحق دينك، فالآن، فبعث رجلا، من عظمائهما، يقال له الضناد، وجهز معه أربعين ألفا، فلما بلغ ذلك نبي اللَّه -ﷺ-، كتب فى العرب، وكان يجلس، كل يوم، على المنبر، فيدعو، ويقول: اللهم أن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد فى الأرض، فلم يكن للناس قوة، وكان عثمان بن عفان، قد جهز، عيرا، الى الشام، يريد أن يمتار عليها، فقال: يا رسول اللَّه هذه مائتا بعير بأقتابها، وأحلاسها ومائتا أوقية، فحمد اللَّه رسول اللَّه -ﷺ-، وكبر الناس، أتى عثمان بالابل، وأتى بالصدقة، بين يديه، فسمعته يقول: لا يضر عثمان ما عمل بعد اليوم. رواه الطبرانى، وفيه العباس بن الفضل
[ ٥٨ ]
الانصارى وهو ضعيف (١).
_________________
(١) مجمع الزوائد (١٩١/ ٦). قلت: قال الحافظ فى التقريب فى ترجمة العباس بن الفضل: عباس بن الفضل بن عمرو بن عبيد بن حنظلة بن رافع الانصارى، الواقفى، بقاف ثم فاء، البصرى، نزيل الموصل وقاضيها، فى زمن الرشيد، متروك، واتهمه أبو زرعة، وقال ابن حبان: حديثه عن البصريين أرجى من حديثه عن الكوفيين، من التاسعة، مك سنة (١٨٣ هـ وله احدى وثمانون سنة ق. انظر التقريب (٣٩٨/ ١) قلت: هذا الحديث بهذا الإسناد منكر ولا يمكن أن يكون صالحا للمتابعات والشواهد، قال الحافظ فى الفتح (٨٥/ ٨): مشيرًا إلى هذه الرواية روى الطبرانى من حديث عمران بن حصين قال: كانت نصارى العرب ثم ذكر الحديث بتمامه، فى قال الحافظ فى نهاية الحديث: وأخرجه الترمذي، والحاكم من حديث عبد الرحمن بن خباب نحوه الخ. . . قلت: لم يخرجه الترمذي بهذا السياق كله إنما أخرجه فى اتفاق عثمان رضي اللَّه تعالى عنه فى مناقبه (١٥٣ - ١٥٤/ ١٣) إذ قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا السكن بن المغيرة، ويكنى أبا محمد مولى لآل عثمان، حدثنا الوليد بن هشام، عن فرقد، أبى طلحة، عن عبد الرحمن بن حباب، قال: شهدت النبي -ﷺ- وهو يحدث على جيش العسرة، فقام عثمان، فقال يا رسول اللَّه عليّ مائة بعير بأحلاسها، وأقتابها فى سبيل اللَّه ثم ساق الحديث ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث السكن بن مغيرة، وفى الباب عن عبد الرحمن بن سمرة. انتهى قول الترمذي. قلت: السكن بن المغيرة قال الحافظ فى التقريب (٣١٣/ ١). السكن ابن المغيرة، الأموى مولاهم، البزاز، البصرى، صدوق، من السابعة/ ت. قلت: هو حسن الحديث. =
[ ٥٩ ]
قال ابن عساكر:
أخبرنا، أبو عبد اللَّه الفراوى (١)، أنا أبو بكر
_________________
(١) أما اشارة الحديث إلى الحاكم، فهو قد أخرجه بغير هذا السياق أيضًا فى المستدرك، قال الحاكم فى المستدرك (١٠٢/ ٣)، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الربيع بن سليمان، ثنا أسد بن موسى، ثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن عبد اللَّه بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن عبد الرحمن ابن سمرة، قال: جاء عثمان ﵁، إلى النبي -ﷺ-، بألف دينار حين جهز جيش العسرة، ففرغها عثمان، فى حجر النبي -ﷺ- قال فجعل النبي -ﷺ- يقلبها، ويقول: ما ضر عثمان ما عمل، بعد هذا اليوم، قاله مرارا، قال الحاكم: هذا حديث، صحيح الإسناد، لم يخرجاه وقال الذهبي فى التلخيص: صحيح. قلت: هذا الحديث بهذا الإسناد لم يبلغ درجة الصحة، انما هو حديث حسن لغيره، لأن فيه كثير بن أبى كثير مولى ابن سمرة. قال الحافظ فى التقريب (١٣٣/ ٢) مقبول من الثالثة، ووهم من عده صحابيا/ د ت س فق. قلت وقد ترحم لكثير هذا الإمام الذهبي فى الميزان (٤١٠/ ٣) إذ قال: كثير (د - ت - س) مولى عبد الرحمن بن سمرة. قال ابن حزم: مجهول. ونقل بعضهم عن العجلي أنه ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات، قلت: لم أقف على ترجمته فى ثقات ابن حبان. والحديث أخرجه الإمام أحمد فى مسنده أيضًا (٧٥/ ٤) انظر انساب الاشراف للبلاذرى (٣٦٨/ ١).
(٢) أبو عبد اللَّه الفراوى هو بضم الفاء، نسبة التى فراوة، بليدة مما يلي الخوارزم انظر اللباب لابن الاثير (٢٠٠/ ٢) والانساب للسمعانى (٤٩١/ ٢) أما المنسوب الى هذه النسبة فجملة من =
[ ٦٠ ]
البيهقى (١)، نا عبد اللَّه الحافظ (٢) أنا أبو العباس محمد بن يعقوب (٣).
وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندى (٤)، نا أبو الحسين بن النقور (٥)، نا أبو الطاهر المخلص (٦)، أنبا رضوان بن أحمد (٧)، أجازة، قال: نا
_________________
(١) = العلماء منهم أبو عبد اللَّه الفراوى عمد بن الفضل بن أحمد الصاعدى النيسابورى فقيه الحرم، وكان ثقة انظر العبر فى خبر من غبر للذهبى (٤/ ٨٣ - ٨٤). وطبقات الشافعية لابن السبكى (٤/ ٩٢ - ٩٣).
(٢) أبو بكر البيهقى، هو صاحب السنن الكبرى انظر ترجمته فى العبر (٣٤٢/ ٣).
(٣) أما أبو عبد اللَّه الحافظ، فهو الحاكم صاحب المستدرك انظر ترجمته فى تذكرة الحافظ ص (١٠٣٩) (١٠٤٥/ ٣).
(٤) أما أبو العباس محمد بن يعقوب، فهو شيخ الحاكم وثقه الذهبى فى العبر انظر ترجمته: (٢٧٣ - ٢٧٤/ ٢).
(٥) أبو القاسم بن السمرقندى، هو الحافظ عبد اللَّه بن أحمد بن عمر، بن أبى الأشعث، أخو إسماعيل وكان ثقة انظر العبر فى خبر من غبر ٣٧/ ٤.
(٦) أبو الحسين بن النقور، هو أحمد بن محمد بن أحمد البغدادى البزاز، المحدث الصدوق توفى سنة ٤٧٠ هـ انظر ترجمته فى العبر فى خبر من غبر للذهبى ٢٧٢ - ٢٣٣/ ٣.
(٧) أبو طاهر المخلص. هو محمد بن عبد الرحمن بن العباس، البغدادى الذهبي، مسند العراق، سمع أبا القاسم البغوى، وطبقته، وكان ثقة، توفي فى مضان وله ٨٨ سنة وكانت وفاته سنة ٣٩٣ هـ انظر العبر فى خبر من غبر للذهبى (٥٦/ ٣) واللباب لابن الأثير (١١١ - ١١٢/ ٣).
(٨) أما رضوان بن أحمد فأنى لم أجد له ترجمة.
[ ٦١ ]
أحمد بن عبد الجبار (١)، نا يونس بن بكير (٢)، عن عبد الحميد بن بهرام (٣)، عن شهر بن حوشب (٤)، عن عبد الرحمن (٥) بن غنم، أن اليهود اتوا رسول اللَّه -ﷺ- يوما فقالوا: يا أبا القاسم، ان كنت صادقا، انك نبي فالحق بالشام. فان الشام أرض المحشر، وأرض الأنبياء. فصدق -وقال ابن السمرقندى: رسول اللَّه -ﷺ- ثم اتفقا. قال: قالوا: فغزا غزوة تبوك، لا يريد الا الشام، فلما بلغ تبوك، أنزل اللَّه عليه آيات من سورة بنى اسرائيل، بعد ما ختمت السورة ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا
_________________
(١) أما أحمد بن عبد الجبار، فهو أحمد بن عبد الجبار العطاردى، الكوفى وثقة ابن حبان ذكره الذهبي فى العبر فى خبر من غبر (٤٩/ ٢) وقال الحافظ فى التقريب: ضعيف (١٩/ ١) وذكر وفاته ٢٧٢/ د
(٢) يونس بن بكر هو يونس بن بكر بن واصل الشيبانى، يخطئ من التاسعة، مات ١٩٩/ خت - م د ت ز ق. انظر التقريب (٣٨٤/ ٢).
(٣) عبد الحميد بن بهرام هو عبد الحميد بن بهرام، الفزارى، المدائنى، صاحب شهر بن حوشب، صدوق، من السادسة/ بخ ت س ق انظر التقريب (٤٦٧/ ١).
(٤) شهر بن حوشب، هو شهر بن حوشب الأشعرى، الشامي، مولى أسماء بنت يزيد ابن السكن صدوق، كثير الارسال، والاوهام، من الثالثة، مات ١١٢/ بخ م - عم انظر التقريب (٣٥٥/ ١).
(٥) عبد الرحمن، هو عبد الرحمن بن غنم، بفتح المعجمة، وسكون النون، الاشعرى، مختلف فى صحبته وذكره العجلى فى كبار ثقات التابعين، مات ١٧٨ خت عم انظر التقريب (٤٩٤/ ١) انظر تذكرة الطالب المعلم لبرهان الدين الحلبى ص ١٥ قلت: هذا الحديث ضعيف بهذا الإسناد.
[ ٦٢ ]
قَلِيلًا﴾ سورة الإسراء ٧١ - ٧٢ التى قوله تعالى ﴿تَحْوِيلًا﴾ فأمره اللَّه -ولم يذكر ابن السمرقندى اسم اللَّه- يعنى بالرجوع الى المدينة، وقال: فيها محياك، ومماتك ومنها تبعث (١).
_________________
(١) انظر تاريخ دمشق لابن عساكر (١٦٧ - ١٦٨/ ١). قال ابن كثير فى تفسيره (٢١٠ - ٢١١/ ٥) مع البغوى تحت قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قيل: نزلت فى اليهود إذ أشاروا على رسول اللَّه -ﷺ- بسكنى الشام بلاد الانبياء، وترك سكنى المدينة. . وهذا القول ضعيف لأن هذه الآية مكية، وسكن المدينة بعد ذلك، وقيل: أنها نزلت بتبوك وفى صحته نظر، ثم قال الحافظ ابن كثير: روى البيهقى عن الحاكم عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردى، عن يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن ابن غنم، أن اليهود ثم ذكر الحديث بتمامه الذى عند ابن عساكر، ثم قال الحافظ ابن كثير: وفى هذا الإسناد نظر، والاظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي -ﷺ- لم يغز تبوك قبل اليهود وانما غزاها امتثالا لقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ انتهى كلامه. قلت: ليس لغزوة تبوك سبب خاص كما قال ابن سعد فى الطبقات الكبرى (١٦٥/ ٢): قالوا: بلغ رسول اللَّه -ﷺ- أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام، وان هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه جزام، وعاملة، وغسان، وقدموا مقدماتهم الى البلقاء، فندب رسول اللَّه -ﷺ- الناس، الى الخروج، وأعلمهم المكان الذى يريد ليتأهبوا، انظر الكامل لإبن الأثير (٢٧٧/ ٢) وقال اليعقوبى فى تاريخه (٦٧/ ٢). وغزاة تبوك غزاها رسول اللَّه -ﷺ- فى جمع كثير، من أرض الشام، يطلب بدم جعفر بن أبى طالب، ولم يتكلم على هذه الغزوة إلا سطرا ونصف. =
[ ٦٣ ]
قال اللَّه تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ التوبة: ١٢٣.
يقول أبو جعفر:
يقول تعالى: ذكره للمؤمنين به وبرسوله: يا أيها الذين صدقوا اللَّه ورسوله قاتلوا من وليكم من الكفار، دون من بعد منهم يقول لهم: ابدءوا بقتال الأقرب فالاقرب اليكم دارا، دون الأبعد فالأبعد، وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية يومئذ الروم، لأنهم كانوا سكان الشام يومئذ، والشام كانت أقرب إلى المدينة من العراق، فأما بعد أن فتح اللَّه على المؤمنين البلاد فإن الفرض على أهل كل ناحية قتال من وليهم من الاعداء، دون الابعد منهم، ما لم يضطر اليهم أهل ناحية أخرى من
_________________
(١) = وليس عنده سند قائم يؤيد قوله وإنما ميل إلى التشيع هو الذى جعله ينظر إلى هذه الحكاية بمنظاره الخاص، وتكلم الإمام ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٥) على سبب وقوع غزوة تبوك فأفاد وأجاد فى الموضوع ورجح أنه ﷺ خرج إلى تبوك بناءً على أمر الهى لكى يقيم لأمته دليلا قاطعا على فرضية الجهاد إلى أن يرث اللَّه الارض ومن عليها. لولا خوف الاطالة لنقلت ما قاله عمدة المؤرخين الإمام ابن كثير انظر (٣ - ٥/ ٤) من البداية، قال الحافظ فى الفتع (٨٥/ ٨): وذكر أبو سعيد فى شرف المصطفى، والبيهقى فى الدلائل من طريق شهر بن حوشب. عن عبد الرحمن بن غنم ثم ذكر الحديث وقال الحافظ فى نهاية الحديث: واسناده حسن، مع كونه مرسلا، قلت: حكم على الاسناد بالحسن مع أنه ضعف أحمد بن عبد الجبار العطاردى فى التقريب انظر ترجمته فى التقريب (١/ ١٩) وأما قضية الارسال، فهي صحيحة لان عبد الرحمن بن غنم تابعى.
[ ٦٤ ]
نواحى بلاد الاسلام، فان اضطروا اليهم لزم عونهم ونصرهم، لأن المسلمين يد على من سواهم، ولصحة كون ذلك، تأول كل من تأول هذه الآية، أن معناها ايجاب الفرض على أهل كل ناحية قتال من وليهم من الاعداء (١).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٧١/ ١١). قلت: قد تكون هذه الآية سببا أساسيا لغزوة تبوك، قال القرطبي فى تفسيره (٢٩٧ - ٢٩٨/ ٨): عرفهم اللَّه تعالى كيفية الجهاد، وأن الابتداء بالأقرب فالأقرب من العدو، ولهذا بدأ الرسول -ﷺ- بالعرب، فلما فرغ قصد الروم وكانوا بالشام، قال الحسن: نزلت قبل أن يؤمر النبي -ﷺ- بقتال المشركين، فهي من التدريج الذى كان قبل الاسلام. قلت قول الحسن أنها نزلت: قبل أن يؤمر بقتال المشركين، فيها نظر واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن كثير فى تفسيره (٢٧١ - ٢٧٢) مع البغوى: أمر اللَّه تعالى المؤمنين، أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا الأقرب فالأقرب، إلى حوزة الاسلام، ولهذا بدأ رسول اللَّه -ﷺ- بقتال المشركين فى جزيرة العرب، فلما فرع منهم وفتح اللَّه عليه مكة، والمدينة، والطائف، واليمن، واليمامة، وهجر، وخيبر، وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر الاحياء فى دين اللَّه أفواجا. فشرع فى قتال أهل الكتاب فتجهز لغزوة الروم الذين هم أقرب الناس بالدعوة إلى الاسلام إلخ. انظر زاد المسر لابن الجوزى (٥١٨/ ٣) وفتح البيان للسيد صديق حسن خان (٢١٨ - ٢١٩/ ٤). وروح المعانى (٥٠ - ٥١/ ١١) وقال الرازي فى تفسيره (٢٢٨ - ٢٢٩/ ١٦). . . اعلم أنه نقل عن الحسن أنه قال: هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين كافة، ثم أنها صارت منسوخة، بقوله ﴿قَاتِلُوْا الْمُشْرِكِينَ كَافَةً﴾ وأما المحققون فإنهم انكروا هذا النسخ =
[ ٦٥ ]
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، قال ثنا أبى (١)، عن سفيان (٢) عن شبيب بن
_________________
(١) = وقالوا: إنه تعالى لما أمر قتال المشركين كافة أرشدهم فى ذلك الباب إلى الطريق الأصوب الأصلح، وهو أن يبتدءوا من الأقرب فالأقرب، منتقلا إلى الأبعد فالأبعد، ألا ترى، أن أمر الدعوة وقع على هذا الترتيب قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وأمر الغزوات وقع على هذا الترتيب لانه ﵊، حارب قومه، ثم انتقل منهم إلى غزو سائر العرب. ثم انتقل منهم إلى غزو الشام، والصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم لما فرغوا من أمر الشام دخلوا العراق. قلت: إن الابتداء بالغزو من الموضح القريب. أولى لوجوه عديدة، منها أن مقابلة الكل دفعة واحدة متعذرة، ولما تساوى الكل فى وجوب القتال لما فيم من الكفر والمحاربة، وامتنع الجمع، وجب الترجيح والقرب مرجح ظاهر، كما رأيت من أمر الدعوة، وكما فى سائر المهمات، ومنها أن الابتداء بالأقرب أولى. لأن النفقة فيه أقل، والحاجة إلى الدواب والآلات، والأدوات أقل، ومنها أن الفرقة المجاهدة إذا تجاوزت من الأقرب إلى الأبعد، فقد عرضوا الذرارى والأهل للفتنة؛ حصل للقوات الباكستانية فى الحرب الأخيرة مع الهند. فالقوات كانت تحارب فى أقصى الهند وتركت الأعداء فى القريب، ومن هنا ضعفت واستكانت، فنفهم من الآية الخطة المستقيمة الحربية إلى وضعها القرآن وأنها خطة عظيمة نافعة، انظر البحر المحيط لابي حيان (١١٤ - ١١٥/ ٥) والكشاف للزمخشرى (٥٧٣ - ٥٧٤/ ١) وظلال القرآن للسيد قطب (٤٣ - ٤٤/ ١١).
(٢) هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسى، بضم الراء وهمزة ثم مهملة، أبو سفيان الكوفى، ثقة، حافظ عابد، من كبار التاسعة، مات فى آخر سنة ١٩٦ هـ وله سبعون سنة/ ع، انظر التقريب (٣٣١/ ٢).
(٣) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى، أبو عبد اللَّه الكوفى، ثقة حافظ، فقيه، عابد، أمام حجة، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس، مات ١٦١ هـ، وله ٦٤/ ع، انظر التقريب (٣٣١/ ١).
[ ٦٦ ]
غرقدة (١) عن عروة البارقى (٢) عن رجل من تميم، قال: سألت ابن عمر،
_________________
(١) شبيب بن غرقدة: بمعجمة وقاف، ثقة من الرابعة/ع، انظر التقريب (٣٤٦/ ١).
(٢) أما عروة البارقى فهو عروة بن أبى الجعد البارقى وهو الصحابى المعروف ذكره الحافظ فى الإصابة (٤٦٨ - ٤٤٩/ ٢) قال الحافظ: عروة بن الجعد، ويقال ابن أبى الجعد، وصوب الثانى ابن المديني، وقال ابن قانع: اسمه أبو الجعد البارقى، وزعم الرشاطى، أنه عروة بن عياض بن أبى الجعد -رضي اللَّه تعالى عنه وأنه نسب إلى جد مشهور، وله أحاديث، وهو الذى أرسله النبي -ﷺ- ليشترى الشاة بدينار فاشترى به شاتين، والحديث مشهور فى البخارى وغيره وكان فيمن حضر فتوح الشام، ونزلها ثم سيره عثمان إلى الكوفة، وحديثه عند أهلها. وقال شبيب بن غرقدة رأيت فى دار عروة بن الجعد ستين فرسا مربوطة. انظر التقريب (١٨/ ٢). قال الشيخ محمود شاكر فى تحقيقه على تفسير ابن جرير الطبرى (٥٧٤/ ١٤) معلقا على هذا الأثر، الأثر ١٧٤٨١ شبيب بن غرقدة البارقى، والمشهور السلمى مضى برقم ٣٠٠٨ و٣٠٠٩ وهو تابعى ثقة، وهكذا جاء فى المخطوطة، كما أثبته ولكن ناشر المطبوعة كتبه هكذا عن شبيب بن غرقدة عن عروة البارقى، عن رجل من بنى تميم وهو لا يصح أبدا، لان عروة البارقى وهو عروة بن أبى الجعد البارقى وهو صحابى معروف، مضى أيضًا برقم ٣٠٠٨ والذى حدث هناك أيضًا انه زاد فى الإسناد عروة، واستظهر أخي أنه زيادة فى الإسناد وهو الصواب، ويؤيده ما حدث فى هذا الموضع من ناسخ أو ناشر، فيما أظن ضهرة شبيب غرقدة البارقى: ظن أنه خطأ فى الإسناد فأضاف عروة بين غرقدة والبارقى انتهى كلامه. قلت أما قول الشيخ محمود شاكر فى هذا الإسناد وهو لا يصح أبدا، وعلل بأن عروة هذا صحابى يروى من رجل من بنى تميم وهو رروى بدوره عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما فقلت: لا وجه لانكاره على هذا الإسناد بالصحة، وأما اعتماده على المخطوطة فقد يكون هذا صحيحا وقد يكون غير ذلك لان صاحب المطبوعة قد يكون قد طلع، على مخطوطة أخرى وهي أقدم =
[ ٦٧ ]
فقال الديلم، قال: عليك بالروم (١).
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن بشار (٢) واحمد بن (٣) اسحاق، وسفيان بن وكيع (٤)
_________________
(١) = وأصح مما طالعها الشيخ، وأما استظهار أخيه الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه اللَّه تعالى على تلك الزيادة وانكاره عليها لم يتضح لى دليله أبدا لأن الاسانيد التى أودرها البخارى، وأبو بكر بن أبى شيبة وابن جرير الطبرى لم يستدل منها على التحقيق على أن هذه الزيادة، اعنى زيادة عروة بن الجعد البارقى بين شبيب الغرقدة بن حبان بن الحارث باطلة، بمجرد عدم ايرادهم هذه الزيادة، ولا يخفى عليكم فان هذه الزيادة تد تكرن من الزيادة التى تكون فى متصل الاسانيد الوهم الذى جعل الشيخ ينكر هذه الزيادة هو أن عروة البارقى صحابى قد وقع بين التابعيين فى الإسناد، وأظن واللَّه تعالى أعلم- أن مثل هذه الرواية واقعة كثيرا فى كتب الحديث. الرواية هذه ساقطة على كل حال لاجل سفيان بن وكيع لأنها جاءت من طريقه ولو جاء عن طريق ثقة آخر، وفى نهاية الحال كما هو، لم تكن حجة عندنا لاجل المجهول الذى فيها. والرواية هذه أشارا إليها السيوطى فى الدر المنثور (٢٩٣/ ٣) بقوله اخرج ابن مردويه عن ابن عمر ثم ذكر النص. انظر فتح القدير للشوكانى (٣٩٨/ ٢) انظر ابن كثير (٢/ ٤٢) والبداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٥).
(٢) تفسير ابن جرير الطبرى (٧١/ ١١).
(٣) ابن بشار هو محمد بن بشار بن عثمان العبدى، البصرى، أبو بكر، بندار بضم الباء وفتحها وسكون النون، ثقة من العاشرة مات سنة ٢٥٢ هـ وله بضع وثمانون سنة/ع، انظر التقريب (١٤٧/ ٢).
(٤) أما أحمد بن إسحاق فهو أحمد بن إسحاق بن الحصين بن جابر السلمى، أبو إسحاق السرماوى بضم المهملة، وبفتحها وحكى كسرها إسكان الراء صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ٢٤٢ / خ انظر التقريب ١٠/ ١).
(٥) سفيان بن وكيع بن الجراح، أبو محمد الرؤاسى الكوفى، كان صدوقًا إلا أنه ابتلى بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه، من العاشرة/ ت ق انظر التقريب (١/ ٣١٢).
[ ٦٨ ]
قالوا: ثنا أبو أحمد (١) قال: ثنا سفيان (٢)، عن يونس (٣)، عن الحسن (٤) ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ قال الديلم.
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب (٥)، قال: ثنا عمران أخي (٦)
_________________
(١) اما أبو أحمد فهو محمد بن عبد اللَّه بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدى، أبو أحمد الزبيرى الكوفى، ثقة ثبت، إلا أنه قد يخطئ فى حديث الثورى، من التاسعة مات ٢٠٣/ ع انظر التقريب (١٧٦/ ٢).
(٢) اما سفيان فهو سفيان الثورى وقد مر بكم ترجمته مرارا انظر التقريب (٣١١/ ١).
(٣) وأما يونس فهو يونس بن أبى إسحاق السبيعى، أبو اسرائيل الكوفى، صدوق، يهم قليلا، من الخامسة، مات ١٥٢ على الصحيح/ م عم انظر التقريب (٣٨٤/ ٢).
(٤) وأما الحسن فهو الحسن بن أبى الحسن البصرى، واسم أبيه: يسار، بالتحتانية والمهملة، الأنصارى مولاهم ثقة فقيه، فاضل، مشهور وكان يرسل كثيرا ويدلس،/ ع انظر التقريب (١٦٥/ ١). قلت: أثر حسن البصرى حسن الإسناد -هو مقطوع من كلامه رحمه اللَّه تعالى. وقال السيوطى فى الدر المنثور (٣/ ٢٩٣) أخرج ابن جرير الطبرى وابو الشيخ عن الحسن ثم ذكر الأثر. . انظر فتح القدير (٣٩٨/ ٢) والقرطبى فى تفسيره (٢٩٧/ ٨). انظر ابن جرير الطبرى (٧١/ ١١) فقد أخرج هذا الأثر باسناد آخر وفيه سفيان بن وكيع.
(٥) يعقوب هو يعقوب بن عبد اللَّه بن سعد الاشعرى، أبو الحسن القمى، بضم القاف وتشديد الميم، صدوق يهم من الثامنة مات، ١٧/ خت عم / انظر التقريب ٣٧٦/ ٢.
(٦) وأما عمران بن عبد اللَّه بن سعد الأشعرى فإنى لم أجد له ترجمه فى المراجع التى بين يديّ.
[ ٦٩ ]
قال: سألت جعفر (١) بن محمد بن علي بن الحسين، فقلت: ما ترى فى قتال الديلم؟ فقال: قاتلوهم ورابطوهم، فإنهم من الذين قال اللَّه فيهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (٢).
قال أبو جعفر:
حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فى قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ قال: كان الذين يلونهم
_________________
(١) أما جعفر بن محمد فهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب الهاشمى، أبو عبد اللَّه المعروف بالصادق، صدوق، فقيه، إمام، من السادسة، مات ١٤٨/ بخ م - عم، انظر التقريب (١٣٢/ ١).
(٢) قال السيوطى فى الدر المنثور (٢٩٣/ ٣) أخرج ابن أبى حاتم، وأبو الشيخ، عن جعفر بن محمد، ثم ذكر الأثر بكامله كما جاء عن ابن جرير الطبرى. ومحمد بن حميد الراوى شيخ ضعيف الذى يروى عنه أبو جعفر مباشرة، ولهذا الأثر شواهد كثيرة أخرجها أبو جعفر فى تفسيره انظر التفسير (٧٢/ ١١). قال القرطبي فى تفسيره (٢٩٨/ ٨) قال قتادة يبدأ القتال بالأول فالأول ثم قال واختار ابن العربى أن يبدأ بالروم قبل الديلم، على ما قاله ابن عمر لثلاثة أوجه. أحدها: أنهم أهل الكتاب، فالحجة عليهم أكثر وآكد. الثانى: أنهم إلينا أقرب، أعنى أهل المدينة. الثالث: أن بلاد الأنبياء فى بلادهم أكثر فاستنقاذها مهم أوجب، واللَّه تعالى أعلم. قلت: فى هذه الآية دليل على أنه ينبغي أن يقاتل أهل كل ثغر الذين يلونهم. وإذا قيل: كيف تخطى النبي -ﷺ- فى بعض غزواته وترك هذه القاعدة؟ قلنا: ربما تخطى فى حربه الذين يلونه من القبائل التى لم تدخل الإسلام ليكون ذلك أهيب له. انظر تفسير زاد المسير لابن الجوزى (٥١٨ - ٥١٩/ ٣).
[ ٧٠ ]
من الكفار العرب، فقاتلهم حتى فرغ منهم، فلما فرغ قال اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. . . حتى بلغ ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قال: فلما فرغ من قتال من يليه من العرب، أمره بجهاد أهل الكتاب، قال: وجهادهم أفضل الجهاد عند اللَّه.
وأما قوله ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ فان معناه: وليجد هؤلاء الكفار الذين تقاتلونهم. فيكم أي منكم شدة عليهم. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ يقول: وأيقنوا عند قتالكم اياهم أن اللَّه معكم. وهو ناصركم عليهم، فان اتقيتم اللَّه وخفتموه، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فإن اللَّه ناصر من اتقاه معينه (١).
_________________
(١) تفسر ابن جرير الطبرى (٧٢/ ١١). قلت: هذا الأثر مقطوع من كلام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوى وهو مفسر كبير ولكلامه شواهد كثيرة أخرجها ابن جرير الطبرى (٧١ - ٧٢/ ١١). وقال ابن كثير فى البداية والنهاية (٢ - ٣/ ٥): قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة "آية ٢٨". ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ "التوبة: ٢٩"، انظر تفسير ابن جرير الطبرى (١١٠/ ١٠) وقال: حدثنى محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله تعالى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ =
[ ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = دِينَ الْحَقِّ﴾ آخر الآية) قال مجاهد: أمر محمد -ﷺ- وأصحابه بغزوة تبوك. قلت: هكذا أجمع أهل المسير على أن هذه الآية نزلت على رسول اللَّه -ﷺ- وفيها أمر صريح لغزوة تبوك. انظر تفسير الطبرى (١٠٩/ ١١) وابن كثير مع البغوى (١٤٤ - ١٤٧/ ٤). وزاد المسير لابن الجوزى (٤١٩ - ٤٢٠/ ٣). والقرطبى فى تفسيره (١٠٩ - ١١٩/ ٨). وقال أبو حيان فى البحر المحيط (٢٩/ ٥): نزلت حين أمر رسول اللَّه -ﷺ- بغزو الروم، وغزا بعد نزولها تبوك.
[ ٧٢ ]