قال أبو جعفر:
حدثنا محمد بن المثنى (١) وسفيان بن كيع، وسوار بن عبد اللَّه (٢)، قالوا: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه قال: أخبرنى نافع، عن ابن عمر، قال: جاء ابن عبد اللَّه بن أبى ابن سلول، الى رسول اللَّه -ﷺ- حين مات أبوه فقال: اعطنى قميصك حتى أكفنه فيه، وصلّ عليه، واستغفر له، فأعطاه قميصه، وقال: إذا فرغتم فآذنوني، فلما أراد أن يصلى عليه جذبه عمر وقال: أليس قد نهاك اللَّه أن تصلى على المنافقين؟ فقال: بل خيرني، وقال ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قال: فصلى عليه، قال: فأنزل اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ قال: فترك الصلاة عليهم (٣).
_________________
(١) محمد بن المثنى، هو محمد بن المثنى بن عبيد العنزي بفتح النون والزاى، أبو موسى البصرى ثقة ثبت من رجال الجماعة / التقريب (٢٠٤/ ٢).
(٢) سوار بن عبد اللَّه. هو سوار بن عبد اللَّه بن سوار، أبو عبد اللَّه بن قدامة التميمى العنبرى، أبو عبد اللَّه البصرى قاضى الرصافة وغيرها ثقة من العاشرة د ت - س انظر التقريب (٣٣٩/ ١).
(٣) انظر تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٤ - ٢٠٥/ ١٠). قلت: إن هذا الاسناد صحيح وقد أخرج الحديث البخارى ومسلم والإمام أحمد فى مسنده انظر الفصل الثالث عشر من هذا البحث فتجد تخريجا لهذا الحديث. انظر الدر المنثور للسيوطى (٢٦٤/ ٣) وفتح البارى (١١٠/ ٣) و(٢٥١/ ٨) والنووى على مسلم (١٢١/ ١٧) واقتضاء الصراط المستقيم (٤٤٥ - ٤٤٦).
[ ٤٤٠ ]
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن عبيد اللَّه، عن ابن عمر، قال: لما توفى عبد اللَّه بن أبى ابن سلول، جاء ابنه عبد اللَّه إلى النبي -ﷺ-، فسأله أن يعطه قميصه، يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام عمر بن الخطاب ﵁، فأخذ بثوب النبي -ﷺ-، فقال: ابن سلول تصلى عليه، وقد نهاك اللَّه أن تصلى عليه؟ فقال النبي -ﷺ- إنما خيرني ربي، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وسأزيد على سبعين، فقال: إنه منافق، فصلى عليه رسول اللَّه -ﷺ-، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (١).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٥/ ١٠). قلت: هذا الاسناد ضعيف لأن فيه سفيان بن وكيع بن الجراح وهو ساقط الحديث وأما المتن فقد روى من عدة طرق صحيحة واللَّه تعالى أعلم. انظر الدر المنثور للسيوطى (٢٦٤/ ٣) وروح المعانى للألوسى (١٥٣ - ١٥٤/ ١٠) والتفسير الكبير للرازى (١٥١ - ١٥٤/ ١٦) وزاد المسير لابن الجوزى (٤٨٠ - ٤٨١/ ٣) والتفسير لابن كثير مع البغوى (٢١٧ - ٤١٢٠/ ٢) والجامع لأحكام القرآن للقرطبى (٢١٨ - ٢٢٣/ ٨) أنه أشار رحمه اللَّه تعالى إلى جميع تلك الروايات التى تشعر بأن الآية نزلت فى عبد اللَّه بن أبى ابن سلول رأس المنافقين عند موته. انظر البحر المحيط لأبي حيان (٨١ - ٨٢/ ٥) وكتاب التسهيل لعلوم التنزيل للكلبى (٢١٨/ ٢) والكشاف للزمخشرى (٥٦٣/ ١) وظلال القرآن للسيد قطب رحمه اللَّه تعالى (١٠٤ - ١٠٥/ ١٠). قلت: ان هذا النص قد روى عن طرق كثيرة حيث قد يكون من الأحاديث المتواترة واللَّه تعالى أعلم بالصواب. انظر لباب النقول فى اسباب النزول للسيوطى ص ١٢٢ وأنه أشار إِلى جميع تلك الروايات التى تعين السبب. انظر اسباب النزول للواحدى ١٧٣.
[ ٤٤١ ]
قال أبو جعفر:
حدثنى أحمد بن اسحاق (١)، قال: ثنا أبو أحمد (٢)، قال: ثنا سلمة (٣) عن يزيد الرقاشى، عن أنس، أن رسول اللَّه -ﷺ- أراد أن يصلى على عبد اللَّه بن أبى بن سلول، فأخذ جبرئيل ﵇ بثوبه فقال ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ (٤)﴾.
_________________
(١) أحمد بن إِسحاق، هو أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوزى البزار، ينسب إلى الأهواز بفتح الألف وسكون الهاء، بلدة خرب أكثرها، وكان محلها -زمن ابن الأثير- يقال له سوق الأهواز. صاحب السعلة أبو إسحاق صدوق من الحادية عشرة/ د انظر التقريب (١١/ ١).
(٢) أبو أحمد هو محمد بن عبد اللَّه بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدى أبو أحمد الزبيرى الكوفى، ثقة ثبت من التاسعة/ ع انظر التقريب (١٧٦/ ٢).
(٣) وقع اسم سلمة هنا بالخطأ فى هذا الاسناد والواقع فى هذا الاسناد هو حماد بن سلمة لأنه هو الذى يعرف بالسماع عن يزيد بن أبان الرقاشى وكذا له سماع عن حماد بن سلمة، وهو ثقة عابد ويكنى بأبي سلمة أثبت الناس فى ثابت البناني انظر التقريب (١/ ١٩٧). قلت: إن هذا الاسناد ضعيف لأن فيه يزيد بن أبان الرقاشى وهو ضعيف انظر ترجمته فى التقريب (٣٦١/ ٢) ولعل هذا المتن لم يرو إلا بهذا الاسناد، ولذا لم أجد له متابعات أو شواهد فى المراجع التى بين يدى واللَّه أعلم. ومن المعلوم: لو كان هذا المتن صحيحا لما كان ﵊ يستمر فى صلاته على رأس المنافقين. انظر تفسير ابن كثير مع البغوى (١٢٩ - ٢٢٠/ ٤). فإنه ذكر الاسناد كما صححت ثم قال يزيد بن أبان الرقاش ضعيف.
(٤) تفسير ابن جرير الطبرى ٢٠٥/ ١٠.
[ ٤٤٢ ]
قال أبو جعفر:
حدثنا سوار بن عبد اللَّه العنبر، قال: ثنا يحيى بن سعيد (١)، عن مجالد (٢)، قال: ثنى عامر (٣)، عن جابر بن عبد اللَّه، أن رأس المنافقين مات بالمدينة، فأوصى أن يصلى عليه النبي ﷺ، وأن يكفن فى قميصه، فكفنه فى قميصه، وصلى عليه، وقام على قبره، فأنزل اللَّه ﵎ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٤).
_________________
(١) يحيى بن سعيد، هو يحيى بن سعيد بن فروخ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة، التميمى، أبو سعيد القطان البصرى، ثقة حافظ متقن إِمام قدوة من كبار التاسعة / ع انظر التقريب (٣٤٨/ ٢).
(٢) مجالد: هو مجالد، بضم أوله وتخفيف الجيم، ابن سعيد بن عمر، الهمدانى، بسكون الميم، أبو عمرو الكوفى، ليس بالقوى، وقد تغير فى آخر عمره، من صغار السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومائة /م ع عم انظر التقريب (٢٢٩/ ٢).
(٣) عامر هو عامر بن شراحبيل الشعبى: بفتح المعجمة، أبو عمرو ثقة مشهور، فقيه، فاضل، من الثالثة / ع انظر التقريب (٣٨٧/ ١).
(٤) انظر تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٥/ ١٠). قلت إن هذا الاسناد فيه ضعف إلا له شواهد رمتابعات بحيث يتقوى بمثله. انظر الدر المنثور للسيوطى (٢٦٦/ ٣) وزاد المسير لابن الجوزى (٤٨٠/ ٣) وابن كثير مع البغوى (٢١٧ - ٢٢١/ ٤) وفتح القدير للشوكانى (٣٦٩/ ٣٧١/ ٢) وقد أورد ابن جرير الطبرى فى تفسيره عدة آثار منها ما هى مرفوعة صحيحة ومنها ما هى مرسلة، ومنها ما هى موقوفة، انظر ابن جرير الطبرى (٢٠٤ - ٢٠٦/ ١٠) وكل هذه الآثار تدل على أن هذه الآية نزلت فى حادثة موت عبد اللَّه بن أبيّ ابن سلول، وصلاة رسول اللَّه -ﷺ- ونهى اللَّه له ﵊ عن الصلاة على المشركين والمناففين الذين ظهر نفاقهم وتفشى أمرهم وتجلى عدوانهم على الأمة المسلمة.
[ ٤٤٣ ]
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو (١)، عن جابر، قال: جاء النبي -ﷺ- عبد اللَّه بن أبيّ، وقد ادخل حفرته، فأخرجه فوضعه على كبتيه، وألبسه قميصه، تفل عليه من ريقه، واللَّه أعلم (٢).
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهرى عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن عبد اللَّه بن عباس، قال سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لما توفى عبد اللَّه بن أبيّ ابن سلول، دعى رسول اللَّه ﷺ
_________________
(١) عمرو هو عمرو بن دينار المكى، أبو محمد الأثرم، الجمحى مولاهم، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ١٢٦ هـ / ع انظر التقريب (٦٩/ ٢).
(٢) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٥/ ١٠). قلت: إن هذا الحديث ضعيف بهذا الاسناد لأنه روى عن طريق سفيان بن وكيع بن الجراح الرؤاسى وهو ساقط الحديث وأما المتن فصحيح وقد أخرجه البخارى فى كتاب الجنائز ومسلم فى المنافقين والنسائي فى سننه فى كتاب الجنائز انظر فتح البارى (١١١/ ٣) وتعليق الشيخ محمود شاكر على ابن جرير الطبرى على أثر رقم (١٧٠٥٤) وأثر رقم (١٧٠٥٢) ولم يتعرض السيوطى فى الدر المنثور لهذا الأثر. (٢٦٥/ ٣) انظر تفسير ابن كثير مع البغوى (٢١٩ - ٢٢٠/ ٤) إذ قال رحمه اللَّه تعالى. وقد رواه أيضًا مسلم فى غير موضع والنسائي من غير وجه عن سفيان بن عيينة وأخرجه أيضًا البزار فى مسنده بإسناد حسن.
[ ٤٤٤ ]
للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة، تحولت حتى قمت فى صدره، فقلت: يا رسول اللَّه: أتصلى على عدو اللَّه عبد اللَّه ابن أبيّ القائل يوم كذا: وكذا، أعدد أيامه، ورسول اللَّه -ﷺ- يتبسم حتى إذا أكثرت عليه، قال: أخر عنى يا عمر، أني خيرت، فاخترت، وقد قيل لى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فلو أني أعلم أني زدت على السبعين غفر له، لزدت قال: ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره، حتى فرغ منه قال: أتعجب من جرأتى على رسول اللَّه -ﷺ-. واللَّه ورسوله أعلم، فواللَّه ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ فما صلى رسول اللَّه -ﷺ- بعده على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه اللَّه (١).
قال أبو جعفر:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. . .الآية قال
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٥/ ١٠) قلت: إن هذا الحديث بهذا الاسناد ضعيف لأن فيه محمد بن حميد الرازى وهو حافظ ضعيف إلا أن المتن روى من طرق عديدة صحيحة، انظر سيرة ابن هشام (١٩٦ - ١٩٧/ ٤) وأما هذا الطريق فمنها ما رواه البخارى فى صحيحه انظر الفتح (١١١/ ٣) ومسلما (١٧٥/ ٧) فرواه من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار وقوله واللَّه أعلم: يعنى واللَّه أعلم بقضائه إذ فعل رسول اللَّه -ﷺ- ما فعل مع قضاء اللَّه فى المنافقين بما قضى فيهم ولم يتعرض السيوطى فى الدر المنثور لهذه الرواية (٢٦٥/ ٣).
[ ٤٤٥ ]
بعث عبد اللَّه بن أبيّ إلى رسول اللَّه -ﷺ- وهو مريض ليأتيه، فنهاه عمر عن ذلك، فأتاه نبى اللَّه ﷺ، فلما دخل عليه نبى اللَّه -ﷺ-: قال له: أهلكك اليهود، قال: قال يا نبى اللَّه لم أبعث إليك لتؤنبنى، ولكن بعثت إليك لتستغفر لى، وسأله قميصه أن يكفن فيه، فأعطاه إياه، فاستغفر له رسول اللَّه -ﷺ- فمات، فكفن فى قميص رسول اللَّه -ﷺ-، ونفث فى جلده، ودلاه فى قبره، فأنزل اللَّه ﵎ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. . الآية قال: ذكر لنا أن نبى اللَّه -ﷺ- كلمه فى ذلك، فقال: وما يغنى عنه قميص من اللَّه أو ربي وصلاتى عليه، وأني لارجو أن يسلم به ألف من قومه (١).
انتهت الرسالة، وصلى اللَّه وسلم، وبارك على عبده، ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد للَّه رب العالمين.
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٢٠٦/ ١٠). قلت: إن هذا الأثر مرسل صحيح الاسناد إلى قتادة وقد روى هذا المتن عن طريق آخر صحيح أخرجه ابن جرير الطبرى إلى قتادة انظر تفسير ابن جرير الطبرى فى نفس الصفحة. وإن كان روى هذا الأثر عند ابن جرير عن طريقين مرسلين إلى قتادة إلا أنه روى من طرق جيدة موصولة إلى ابن عمر وعمر بن الخطاب وجابر بن عبد اللَّه وأنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنهم انظر الدر المنثور للسيوطى (٢٦٦/ ٣) وابن كثير مع البغوى (٢١٧ - ٢٢١/ ٤) وتفسير القرطبى (٢٢١/ ٨) وفتح البارى (٢٦٨/ ٨).
[ ٤٤٦ ]