قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ التوبة: ١١١.
قال أبو جعفر:
إن اللَّه ابتاع من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة، وعدا عليه حقا، يقول: وعدهم الجنة جل ثناؤه، وعدا عليه حقا أن يوفى لهم به فى كتبه المنزلة: التوراة والإنجيل والقرآن، إذا هم وفوا بما عاهدوا اللَّه، فقاتلوا فى سبيله ونصرة دينه اعداءه، فقتلوا وقتلوا، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾؟ ويقول جل ثناءه: ومن أحسن وفاء بما ضمن وشرطا من اللَّه. ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾ يقول: ذلك للمؤمنين، فاستبشروا أيها المؤمنون الذين صدقوا اللَّه فيما عاهدوا ﴿بِبَيْعِكُمُ﴾ أنفسكم وأموالكم، بالذى بعتموها، من ربكم؟ فإن اللَّه ذلك هو الفوز العظيم (١).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (٣٤/ ١١). انظر تفسير الآية فى زاد المسير لاين الجوزى (٥٠٣ - ٥٠٥/ ٣) =
[ ٤٢٢ ]
قال تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ التوبة: ١٢١.
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ، وسائر ما ذكر، ولا ينالون من عدو نيلا، ولا ينفقون نفقة صغيرة فى سبيل اللَّه، ولا يقطعون مع رسول اللَّه -ﷺ- فى غزوه واديا، إلا كتب لهم أجر عملهم ذلك، جزاء لهم عليه، كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم، التى كانوا يعملونها وهم مقيمون فى منازلهم (١).
_________________
(١) = قال القرطبى فى تفسيره: (٢٦٧/ ٨) أهل الشراء بين الخلق أن يعرفوا عما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم فى النفع، فاشترى اللَّه ﷾ من العباد اتلاف أنفسهم، وأموالهم فى طاعته، وأهلاكها فى مرضاته وأعطاهم ﷾ الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك. وهو عوض عظيم لا يدانيه عوض ولا يقاس به، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفون به فى البيع والشراء. انظر تفسير الآية فى ابن كثير مع البغوى (٢٤٦ - ٢٤٧/ ٤). قال السيد صديق حسن خان فى فتح اليان (٢٠٢ - ٢٠٣/ ٤) لما شرح اللَّه تعالى فضائح المنافقين وقبائحهم ببب تخلفهم عن غزوة تبوك وذكر أقسامهم، وفرع على كل قسم منها ما هو لائق به، عاد على بيان فضيلة الجهاد، والترغيب فيه.
(٢) تفسير ابن جرير الطبرى (٦٦/ ١١). قال ابن كثير فى تفسيره (٢٦٧ - ٢٦٨/ ٤) مع البغوى. المراد بالآية هؤلاء الغزاة فى سبيل اللَّه ﴿نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ أى قليلا ولا كثيرا ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ أى فى المسير الى الأعداء ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ ولم يقل ههنا (به) لأن هذه افعال صادرة عنهم، ولهذا قال ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ =
[ ٤٢٣ ]
قال أبو جعفر:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فى قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾. . الآية قال: ما ازداد قوم من أهليهم فى سبيل اللَّه بعدا، إلا ازدادوا من اللَّه قربا (١).
_________________
(١) = أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفد حصل لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللَّه تعالى عنه من هذه الآية الكريمة حظ وافر، ونصيب عظيم أنه أنفق فى هذه الغزوة النفقات الجليلة، والأموال الجزيلة كما قال عبد اللَّه بن الإمام أحمد: حدثنا أبو موسى الغنوى، ثم ذكر بعد ذكر الاسناد خطبة رسول اللَّه -ﷺ- فحث على جيش العسرة، عثمان بن عفان رضي اللَّه تعالى عنه عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، الحديث. قلت: أخرجه الإمام أحمد فى مسنده (٧٥/ ٤) والبخاري بعض اجزاء هذا الحديث فى المناقب (١٢/ ٥) انظر ابن الجوزى فى زاد المسير: (٥١٥/ ٣) والقرطبى فى تفسيره (٢٩٢ - ٢٩٣/ ٨). قال القرطبى فى تفسيره: روى أبو داود عن أنس بن مالك: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديا من واد، إلا وهم معكم فيه قالوا: يا رسول اللَّه، كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر. قلت: أخرجه البخارى فى كتاب المغازى (٨/ ٦) وفى كتاب الجهاد (٢١ - ٢٢/ ٤) وأخرجه مسلم فى كتاب الأمارة (٤٩/ ٦) وأبو داود فى كتاب الجهاد (١٧/ ٣) وابن ماجه فى كتاب الجهاد (٢٩٣/ ٢).
(٢) تفسير ابن جرير الطبرى (٦٦/ ١١). قلت: إن رجال هذا الاسناد ثقات إلا ان المتن مقطوع من كلام قتادة رحمه اللَّه تعالى.=
[ ٤٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والأثر غريب، لا حجة فى ذلك إلا إذا كان ورد عن طريق متصل صحيح مرفوع عن رسول اللَّه صل اللَّه عليه وسلم. كيف يصح أن يقال ذلك: لأن أهل العذر، الذين تخلفوا عن رسول اللَّه -ﷺ- فى غزوة تبوك ورد فى حقهم الحديث السابق الذى سبق تخريجه وهو قول ﷺ "ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إِلا كانوا معكم حبسهم العذر" فأعطى ﷺ للمعذرين القاعدين فى دورهم من الأجر ما أعطى للقوى الحامل المشترك فى الغزوة، وقد قال بعض الناس: إنما يكون الأجر للمعذور غير مضاعف، ويضاعف للعامل المباشر قال القرطبى فى تفسيره (٢٩٢/ ٨). قال القاضى ابن العربي: وهذا تحكم على اللَّه، وتضييق لسعة رحمته، وقد عاب بعض الناس فقال: إِنهم يعطون الثواب مضاعفا قطعا، ونحن لا نقطع قطعا بالتضعيف فى موضع، فإنه مبنى على مقدار النيات، وهذا أمر مغيب، والذى يقطع به أن هناك تضعيفا وربك أعلم بمن يستحقه ولو هو فى بيته مع عدم العمل لأن نيته كانت خالصة لو لم يكن معذورا لكان عاملا فعلا. قلت: الظاهر من الأحاديث والآى المساواة فى الأجر، منهما قوله ﵇ "من دل على خير فله أجر فاعله" أو كما قال ﵊: "نية المؤمن خير من عمله". * * *
[ ٤٢٥ ]