قال ابن اسحاق:
ثم أن أبا خيثمة، رجع بعد أن سار رسول اللَّه -ﷺ- أياما الى أهله فى يوم حار، فوجد امرأتين له فى عريشين لهما فى حائط، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت فيه ماءا، وهيأت له فيه طعاما. فلما دخل قام على باب العريش، فنظر الى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول اللَّه -ﷺ- فى الضح، والريح، والحر، وأبو خيثمة فى ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء فى ماله مقيم، ما هذا بالنصف؟ ثم قال: واللَّه لا أدخل عريش واحدة منكما، حتى ألحق برسول اللَّه -ﷺ-، هيئا لى زادا، ففعلتا. ثم قدم ناضحه، فارتحله، ثم خرج فى طلب رسول اللَّه -ﷺ-، حتى أدركه حين نزل تبوك. وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحى فى الطريق، يطلب رسول اللَّه -ﷺ- فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لى ذنبا، فلا عليك أن تتخلف عنى، حتى آتي رسول اللَّه -ﷺ-، ففعل، حتى إذا دنا من رسول اللَّه -ﷺ- وهو نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: كن أبا خيثمة فقالوا: يا رسول اللَّه -ﷺ-، هو واللَّه أبو خيثمة.
[ ٣٠٠ ]
فلما أناخ، أقبل، فسلم على رسول اللَّه -ﷺ-، فقال له رسول اللَّه -ﷺ- أولى لك (دنوت من الهلكة) يا أبا خيثمة ثم أخبر رسول اللَّه -ﷺ- الخبر، فقال له رسول اللَّه خيرا، ودعا له بخير (١).
_________________
(١) سيرة ابن هشام (١٦٣ - ١٦٤). قلت: لم أجد لهذه الرواية سندا عند ابن هشام لعله خذفه اختصارا وقال السيوطى فى الخصائص الكبرى (١٠٠/ ٢): أخرج البيهقى من طريق ابن اسحاق قال: حدثنى عبد اللَّه بن أبى بكر بن حزم ثم ذكر القصة بكاملها. قلت: ليس هذا الص موجودا فى السنن الكبرى فيما أظن. والكتاب مبدد غر مفهرس. انظر الاكتفاء للكلاعى (٣٧٩/ ٢) والاثر مرسل كما علمت، لان فيه عبد اللَّه بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الانصارى المدنى، القاضى من الخامسة مات ١٣٥ هـ روى عن أبيه، وخالة أبيه عمرة بنت عبد الرحمن، وأنس. قلت: لو اتصل الاسناد بالصحابى، لكان الحديث حسن الاسناد لان فيه محمد بن اسحاق ابن يسار، صاحب المغازى وهو صدوق، وأما بعض القصة الذى ورد عند ابن هشام، وهو قوله كن أبا خيثمة فهو جزء صحيح، ورد باسناد صحيح عند الإمام أحمد فى مسنده (٣٧٨ - ٣٨٨/ ٦) من حديث كعب ابن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، إذ جاء فيه "فبيناهم كذلك اذا هم برجل يزول به السراب"، فقال النبي -ﷺ-: كن أبا خيثمة. فإذا هو أبو خيثمة: وهكذا أخرجه مسلم فى صحيحه فى كتاب التوبة من حديث كعب بن مالك (١٠٧/ ٨) وفى الحديث عند مسلم زيادة عما فى مسند الإمام أحمد. إذ قال: فإذا هو أبو خيثمة الأنصارى، وهو الذى تصدق بصاع التمر، حين لمزه المنافقون. انتهى.
[ ٣٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعند مسلم يصرح الزهري، بالسماع عن شيخه عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، وبينما يصرح بالسماع عند الإمام أحمد فى مسنده، وبذلك ارتفع عنه شبهة التدليس، لأنه مدلس ذكره الحافظ فى طبقات المدلسين فى الطبقة الثالثة ص ١٥ وذكر هذه القصة، محمد بن عمر الواقدى فى مغازيه معلقة (٩٩٨ - ٩٩٩) مع زيادة يسيرة، إذ قال رحمه اللَّه تعالى: وكان أبو خيثمة يسمى عبد اللَّه بن خيثمة السالمي، فرجع بعد أن سار رسول اللَّه -ﷺ- عشرة أيام ثم ساق القصة بسياق طويل. انظر تاريخ الطبرى (٣٦٨ - ٣٦٩/ ٢) والبداية والنهاية (٧ - ٨/ ٥) وقال ابن كثير: وقد ذكر عروة بن الزبير، وموسى ابن عقبة قصة أبى خيثمة بنحو سياق محمد ابن إسحاق، وأبسط، وذكر أن خروجه ﵊ الى تبوك، كان فى زمن الخريف -واللَّه أعلم. قلت: أما عروة فهو عروة بن الزبير بن العوام بن الخويلد الأسدى، أبو عبد اللَّه المدنى، ثقة فقيه، مشهور، من الثانية مات ٩٤ على الصحيح ومولده فى أوائل خلافة عمر الفاروق، / ع انظر التقريب (١٩/ ٢). أما موسى فهو موسى بن عقبة بن أبى عياش، بتحتانية، ومعجمة، الأسدى، مولى آل الزبير ثقة، فقيه، إمام فى المغازى من الخامسة، لم يصح أن ابن معين لينه. مات سنة ١٤١ هـ وقيل بعد ذلك / ع انظر التقريب (٢٨٦/ ٢). ذكر قصة أبى خيثمة الإمام ابن القيم فى زاد المعاد (٣١٣) وابن سيد الناس فى عيون الأثر (٢١٧/ ٢). وصاحب السمط النجوم العوالى (٢١٣/ ٢). والامام ابن الأثير فى الكامل (٢٧٨/ ٢) وصاحب السيرة الحلبية (٣/ ٢٨٨). والشيخ الزرقاني على المواهب (٧٤/ ٣). وقال ذكره ابن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبى بكر بن حزم مرسلا. قلت: ان هذه الرواية بهذا الاسناد مرسلة إلا بعض الالفاظ، فصحيحة متصلة واللَّه أعلم. انظر الكامل للمبرد (٩٦٧ - ٩٦٨/ ٣) والاشتياق لأبى بكر محمد بن الحسن بن دريد ص ٤٥٧.
[ ٣٠٢ ]