قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ التوبة: ٧٩.
قال أبو جعفر: يقول اللَّه تعالى ذكره: الذين يلمزون المطوعين فى الصدقة على أهل المسكنة والحاجة، بما لم يوجبه اللَّه عليهم فى أموالهم، ويطعنون فيها عليهم بقولهم: انما تصدقوا به رياء وسمعة، ولم يريدوا وجه اللَّه، ويلمزون الذين لا يجدون ما يتصدقون به الا جهدهم، وذلك طاقتهم، فينتقصونهم ويقولون: لقد كان اللَّه عن صدقة هؤلاء غنيا، سخرية منهم بهم ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ وقد بينا صفة سخرية اللَّه بمن يسخر به من خلقه فى غير هذا الموضع، بما أغني، عن اعادته ههنا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم قال أبو جعفر: وذكر ان المعنى بقوله ﴿الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عدى الانصارى، وان المعنى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ أبو عقيل الاراشى أخو بنى حنيف ثم أيد تفسيره هذا وتعيين عبد الرحمن بن
[ ٢٢٤ ]
عوف رضي اللَّه تعالى عنه فى هذه الآية. بعدة آثار واختار منها اثرا واحدا صحيحا إذ قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد اللَّه، قال: ثنا شعبة، عن سليمان، عن أبى وائل، عن أبى مسعود قال: نزلت آية الصدقة كنا نحامل، قال أبو النعمان: كنا نعمل، قال فجاء رجل، فتصدق بشيء كثير، وجاء رجل فتصدق بصاع تمر. فقالوا: ان اللَّه لغنى عن صاع هذا، فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (١).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (١٩٦/ ١٠). قال السيوطى فى الدر المنثور (٢٦٣/ ٣) أخرج البخارى ومسلم وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ: وابن مردويه وأبو نعيم فى المعرفة عن أبى مسعود ثم ذكر النص. انظر البخارى فانه أخرجه فى موضعين فى كتاب الزكاة الباب العاشر. تحت، باب اتقوا النار لو بشق تمرة. والموضع الثانى فى كتاب التفسير فى سورة التوبة. انظر مسلما أيضا فإنه أخرجه فى كتاب الزكاة انظر اسباب النزول للواحدى ١٧٢ - ١٧٣. وفتح الباري (٢٢٤/ ٣) و(٢٤٩/ ٨) والنووى على مسلم ١٠٥/ ٥ ولباب النقول السيوطى ص ١٢١ وزاد المسير لابن الجوزى (٤٧٦ - ٤٧٧/ ٣) بتحقيق الالبانى انظر تفسير القرطبى (٢١٤ - ٢١٥/ ٨). قلت: ان هذه الرواية صحيحة مخرجة فى الصحيحين وغيرهما انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ص ١٠٤. * * *
[ ٢٢٥ ]
قال أبو جعفر:
حدثنا ابن وكيع (١)، قال، ثنا زيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة (٢)، قال: ثنى خالد بن يسار (٣)، عن ابن أبى عقيل (٤)، عن أبيه، قال: بت أجر الجرير على ظهرى، على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما التى أهلي يتبلغون به، وجئت بالآخر، أتقرب به الى رسول اللَّه ﷺ، فأتيت رسول اللَّه ﷺ، فأخبرته فقال: انثره فى الصدقة، فسخر المنافقون منه وقالوا: لقد كان اللَّه غنيا عن صدقة هذا المسكين، فأنزل اللَّه ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. . الآيتين (٥).
_________________
(١) ابن وكيع هو سفيان بن وكيع بن الجراح ساقط الحدث ت ق انظر التقريب (٣١٢/ ١).
(٢) موسى بن عبيدة الربذى بضم أوله ابن نشيط بفتح وكسر المعجمة وبعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة الربذى ضعيف ت - ق انظر تقريب التهذيب (٢٨٦/ ٢) انظر ميزان الاعتدال للذهبى (٢١٣/ ٤).
(٣) خالد بن يسار الذى روى عن ابن أبى عقيل وروى عنه موسى بن عبيدة الربذى فلم أجد له ترجمة ولا ذكرا وهناك خالد بن يسار روى عن أبى هريرة وروى عنه شعيب بن الحبحاب ولا أظنه هو وهذا أيضا قالوا فيه مجهول انظر مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي (٧٢ - ٧٣/ ٧) وقال رواه الطبرانى ورجاله ثقات الا خالد بن يسار.
(٤) واما ابن أبى عقيل فاسمه رضى أبى عقيل انظر التاريخ الكبير (٢١٣/ ١/ ٢) وابن أبى حاتم (٥٢٣/ ١/ ٢). قلت: ان هذا الخبر ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذى وللمجهول الذى فيه وهو خالد ابن يسار. انظر تفسير بن كثير مع البغوى (٢١٣/ ٤).
(٥) تفسير ابن جرير الطبرى (١٩٦/ ١٠). =
[ ٢٢٦ ]
قال أبو جعفر:
حدثنى المثنى (١) ثنا عبد الملك بن صاع، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾.
_________________
(١) = قال السيوطى فى الدر المنثور (٢٦٢/ ٣) مشيرا الى هذه الرواية اخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن أبى حاتم والبغوى فى معجمه والطبرانى وابو الشيخ وأبو نعيم فى المعرفة عن ابى عقيل ثم ذكر الاثر. انظر زاد المسير لابن الجوزى (٤٧٦ - ٤٧٧/ ٣). قلت: ان هذه الرواية بهذا الاسناد ضعيفة جدا لوجود ثلاث علل فى اسنادها:- ١) ضعف سفيان بن وكيع. ٢) ضعف موسى بن عبيدة الربذى. ٣) جهالة خالد بن يسار الذى لم أجد له ترجمة واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح أخرجه البخارى وغيره واللَّه تعالى أعلم.
(٢) قال الشيخ محمود أحمد شاكر فى ترجمة المثنى هذا فى تعليقه على ابن جرير الطبرى فى التفسير (١٧٦/ ١): اما المثنى شيخ الطبرى فهو المثنى بن إبراهيم الآملى يروى عنه الطبرى كثيرا فى التفسير والتاريخ انتهى. قلت: وأما المثنى بدون ذكر أبيه ونسبه فقد وجدته يروى عنه أبو جعفر مباشرا وذلك قليل جدا ولم أجد له ترجمة فى المراجع التى بين يدى. كثيرا ما يقول أبو جعفر: حدثنى ابن المثنى واحيانا يقول حدثنى محمد بن المثنى هذا الاخير معروف وهو ثقة من مشائخ البخارى فى الجامع الصحيح وقد ثبت أن الطبرى روى عنه انظر تهذيب الكمال للمزى (١٢٦٤/ ٦) فنظرا لهذا فانى أظن أن هناك سقطا وقع فى اسم المثنى هذا، وليس هو المثنى بن إبراهيم الآملى بل هو ابن المثنى العنزى =
[ ٢٢٧ ]
قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب الى النبي -ﷺ- وجاءه رجل من الانصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: واللَّه ما جاء عبد الرحمن بما جاء به الا رياء، وقالوا: ان كان اللَّه ورسوله لغنيين عن هذا الصاع (١).
_________________
(١) = المعروف بالزمن. واما قول الشيخ محمود يروى عنه أبو جعفر الطبرى فى المجلد الاول (١٢٣/ ١) إذ قال: حدثنا صالح بن مسمار والمثنى بن إبراهيم قالا حدثنا ثم ذكر بقية الاسناد. فالمثنى بن إبراهيم لم يرو عنه الطبرى فى تاريخه منفردا بل روى عنه مقرونا بغيره وهو صالح بن مسمار المروزى أبو الفضل صدوق من العاشرة انظر التقريب (٣٦٣/ ١). فاعلم أن هذه الرواية منقطعة وقد مر بكم مرة أن علي بن أبى، طلحة عن ابن عباس مرسل انظر جامع التحصيل للعلائي ورقه ٨٣/ ١/ ب.
(٢) تفسير ابن جرير الطبرى (١٩٤/ ١٠). انظر الدر المنثور للسيوطى فانه نسب اخراج هذه الرواية الى ابن جرير الطبرى وابن المنذر وابن أبى حاتم (٣٦٨/ ٢) وفتح البيان للسيد صديق حسن خان (١٤٦/ ١) والبحر المحيط لابى حيان (٧٤ - ٧٥/ ٥) والكشاف للزمخشرى (٥٦٢/ ١) والتفسير الكبير للرازى (١٤٤ - ١٤٥/ ١٦). والقرطبى فى تفسيره (٢١٤ - ٢١٥/ ٨) وتفسير ابن كثير مع البغوى (٢١١ - ٢١٥/ ٤). قلت: قضية الصاع مخرجة فى الصحيحين واما قصة عبد الرحمن بن عوف فلا أراها الا منقطعة. واللَّه تعالى أعلم. * * *
[ ٢٢٨ ]
قال أبو جعفر:
حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: اخبرنى يونس، عن ابن شهاب، قال: اخبرنى عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، يقول: الذى تصدق بصاع التمر فلمزه المنافقون، أبو خيثمة الانصارى (١).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (١٩٧/ ١٠). قلت: هذا لحديث جزء من حديث كعب بن مالك الطويل فى أمر غزوة تبوك وما كان من تخلفه حتى تاب اللَّه عليه رواه الإمام أحمد فى مسنده (٤٥٦/ ٣) و(٣٥٩/ ٤) و(٣٨٣/ ٦) رواه البخارى فى صحيحه انظر فتح الباري (٨٧/ ٨). رواه مسلم فى صحيحه من هذا الطريق انظر النووي كل مسلم (٨٧/ ١٧) انظر البحث الذى يتعلق برواية كعب بن مالك ﵁ وذكرت هناك جميع تخريج هذا الحديث وتقطيع البخارى له فى عدة مواضع من جامعه الصحيح واخراجه باسانيد مختلفة تحت أبواب متفرقة وكذا مسلم ومسند الإمام أحمد وبقية الكتب، وكتب السير والمغازى والتفاسير. وشيخ الطبرى هنا هو يونس بن عبد الاعلى الصدفي ثقة، ثبت من كبار العاشرة، وهو من كبار القراء انظر معرفة القراء الكبار للذهبى. * * *
[ ٢٢٩ ]