قال اللَّه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة: ١٠٢.
قال أبو جعفر:
يقول اللَّه تعالى ذكره: ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق، ومنهم آخرون اعترفوا بذنوبهم، يقول: اقروا بذنوبهم، خلطوا عملا صالحا، يعنى جل ثناءه بالعمل الصالح الذى خلطوه بالعمل السيء: اعترافهم بذنوبهم وتوبتهم منها، والآخر السيء هو تخلفهم عن رسول اللَّه -ﷺ- لما خرج غازيا الى تبوك وحين تركهم الجهاد مع المسلمين.
ثم قال أبو جعفر وقد اختلف أهل التأويل فى المعنى بهذه الآية، والسبب الذى من أجله انزلت فيه، فقال بعضهم: نزلت فى عشرة أنفس كانوا تخلفوا عن رسول اللَّه -ﷺ- فى غزوة تبوك، منهم أبو لبابة، فربط سبعة منهم أنفسهم الى السوارى عند مقدم النبي -ﷺ-، توبة منهم من ذنبهم (١).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (١٢/ ١١). =
[ ١١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال ابن الجوزى فى زاد المسير (٤٩٣ - ٤٩٥/ ٣): تحت هذه الآية اختلفوا فيمن نزلت على قولين: ١) أنهم عشرة كما ذكر ابن جرير الطبرى تخلفوا عن رسول اللَّه -ﷺ- فى غزوة تبوك انظر فى ذلك تفسير الطبرى بتحقيق الشيح أحمد شاكر (٤٥١/ ١٤) والدر المنثور للسيوطى ٢٧٢/ ٣ ونسبه لابن أبى شيبة، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، والبيهقى فى الدلائل، عن مجاهد مختصرا، عن سعيد بن المسيب مطولا ونسبه الى البيهقى: والقول الثاني: أنها نزلت: فى أبى لبابة وحده. واختلفوا فى ذنبه على قولين: أحدهما: أنه خان اللَّه ورسوله بأشارته الى بنى قريظة حين شاوروه فى النزول علي حكم سعد فقال أنه الذبح، وهو قول مجاهد، انظر زاد المسير لابن الجوزى إذ قال هنا قد شرحناه فى الانفال "٣٧" انظر تفسير ابن كثير (٢٣٣/ ٤) مع البغوى فقد نسب الى البخارى تفسير هذه الآية وأورد تحتها حديثا أخرجه البخارى فى كتاب التفسير. وانظر فتح البيان للسيد صديق حسن خان القنوجى (١٩١/ ٤) وروح المعاني للالوسى (١١/ ١١). والبحر المحيط لابي حيان (٥٤ - ٩٥/ ٥). والكشاف للزمخشرى (٥٦٦/ ١) وتفسير القرطبى (٢٤١ - ٢٤٤/ ٨). وأسباب النزول للسيوطى ص ١٢٣ ولعلي الواحدى ص ١٧٤، انظر البخارى كتاب التفسير باب رقم ١٣٣، انظر الجواهر الحسان للثعالبي (١٥١ - ١٥٢/ ٢).
[ ١١٣ ]
قال أبو جعفر:
حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ قال: كانو عشرة رهط تخلفوا عن النبي -ﷺ- فى غزوة تبوك، فلما حضر رجوع النبي -ﷺ- أوثق سبعة منهم أنفسهم بسوارى المسجد، وكان ممر النبي -ﷺ- إذا رجع فى المسجد عليهم، فلما رآهم قال: من الموثقون أنفسهم بالسوارى؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عنك يا رسول اللَّه حتى تطلقهم، وتعذرهم، فقال النبي -ﷺ-: "وأنا أقسم باللَّه لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون اللَّه هو الذى يطلقهم، رغبوا عنى، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين" فلما بلغهم ذلك، قالوا: ونحن باللَّه لا نطلق أنفسنا حتى يكون اللَّه الذى يطلقنا، فأنزل اللَّه ﵎ ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعسى من اللَّه واجب، فلما نزلت، أرسل اليهم النبي -ﷺ-، فأطلقهم وعذرهم (١).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (١٢ - ١٣/ ١١). قلت: أورد هذه الرواية ابن الجوزى فى زاد المسير (٤٩٤/ ٣) ولا يخفى عليك أن هذه الرواية منقطعة. ثم ضعف أبى صالح الذى هو عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث بن سعد قال الحافظ فى تقريب التهذيب: صدوق كثير الغلط، ثبت فى كتابه، وكانت فيه غفلة من العاشرة انظر التقريب (٤٢٣/ ١) انظر الدر المنثور للسيوطى (٢٧٢/ ٣) فإنه نسب اخراج هذه الرواية لابن المنذر،=
[ ١١٤ ]
قال أبو جعفر، وقال آخرون: كانوا ستة، أحدهم أبو لبابة، وذكر من قال ذلك حدثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ﴾. . . الى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وذلك أن رسول اللَّه -ﷺ - غزا غزوة تبوك، فتخلف أبو لبابة وخمسة معه عن النبي -ﷺ-، ثم أن أبا لبابة ورجلين معه تفكروا وندموا، وأيقنوا بالهلكة، وقالوا: نكون فى الكن والطمأنينة مع النساء، ورسول اللَّه -ﷺ- والمؤمنون معه فى الجهاد، واللَّه لنوثقن أنفسنا بالسوارى، فلا نطلقها حتى يكون رسول اللَّه -ﷺ- هو يطلقنا ويعذرنا، فانطلق أبو لبابة وأوثق نفسه ورجلان معه بسوارى المسجد، وبقي ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم، فرجع رسول اللَّه -ﷺ- من غزوته، وكان طريقه فى المسجد، فمر عليهم فقال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسواري؟ فقالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عنك تعاهدوا اللَّه
_________________
(١) = وابن أبى حاتم، وابن مردويه، والبيهقى فى الدلائل (٢٧٢/ ٣) انظر اسباب النزول للواحدى ١٧٤ والسيوطى ١٢٣ - انظر المسند للامام أحمد فى متعلقات هذا الاسناد (٨ - ٩/ ٥) وتفسير القرطبى (٢٤٢/ ٨) والقاسمى (٣٢٤٧ - ٣٢٤٩/ ٨) وتفسير ابن كثير مع البغوى (٢٣٣ - ٢٣٤/ ٤) وفتح القدير للشوكانى (٣٧٩ - ٣٨١/ ٢) والتفسر الكبير للرازى (١٧٤ - ١٨٤/ ١٦) والكشاف للزمخشرى (١٦٧/ ١) والبحر المحيط لابى حيان (٩٤ - ٩٥/ ٥) وروح المعانى للالوسى (١٢ - ١٤/ ١١). انظر متشابه القرآن للهمذانى (٣٤٤/ ١).
[ ١١٥ ]
ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذى تطلقهم، وترضى عنهم، وقد اعترفوا بذنوبهم، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: واللَّه لا أطلقهم حتى أؤمر باطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يكون اللَّه هو يعذرهم، وقد تخلفوا عنى ورغبوا بأنفسهم عن غزو المسلمين وجهادهم، فأنزل اللَّه برحمته ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعسى من اللَّه واجب، فأطلقهم رسول اللَّه -ﷺ- وعذرهم، وتجاوز عنهم. (١)
وقال أبو جعفر: وقال آخرون: الذين ربطوا أنفسهم بالسوارى كانوا ثمانية، ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال ثنا يعقوب (٢)، عن
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (١٣/ ١١). قلت: إن هذا الحديث لم يصح بهذا الاسناد لانه اسناد ضعيف جدا ورواته لا تقوم به الحجة ولا هو صالح للمتابعات والشواهد لانه قائم علي سلسلة الضعفاء انظر الدر المنثور للسيوطى فإنه أشار الي هذه الرواية (٢٧٢/ ٣) وقال أخرج ابن جرير الطبرى وابن المنذر، وابن أبى حاتم، وأبى مردويه، والبيهقى فى الدلائل، عن ابن عباس ثم ذكر النص. وهكذا جاء فى زاد المسير لابن الجوزى (٤٩٤/ ٣). والقرطبى فى تفسيره (٢٤٢/ ٨) والقاسمى (٣٢٤٧/ ٨) وذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ١٧٤ وفتح القدير للشوكانى (٣٧٩ - ٣٨١/ ٢) والزمخشرى فى الكشاف (٥٦٧/ ١) والبحر المحيط لابى حيان (٩٤ - ٩٥/ ٥) وروح المعانى للالوسى (١٢ - ١٣/ ١١) وابن كثير فى تفسيره مع البغوى (٢٣٣ - ٢٣٤/ ٤).
(٢) أما يعقوب فهو يعقوب بن عبد اللَّه بن سعد الاشعرى، أبو الحسن القمى بضم القاف وتشديد الميم، صدوق يهم من الثامنة مات سنة ١٧٤/ خت عم انظر التقريب (٣٧٦/ ٢).
[ ١١٦ ]
زيد بن أسلم، ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسوارى، منهم كردم ومرداس وأبو لبابة (١).
وقال أبو جعفر: وقال آخرون: كانوا سبعة. ذكر من قال ذلك. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رهط تخلفوا عن غزوة تبوك، فأما أربعة فخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. جد بن قيس، وأبو لبابة،
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (١٤/ ١١). قلت: هذا الاثر: معضل ضعيف، من كلام زيد بن أسلم العدوى ذكره الحافظ فى التقريب (٢٧٢/ ١) ولا تقوم به الحجة لأن فيه محمد بن حميد الرازى وهو حافظ ضعيف وأشار السيوطى فى الدر المنثور الى هذا الاثر بقوله (٢٧٣/ ٣) أخرج ابن أبى حاتم، عن ابن زيد بن أسلم ثم ذكر الاثر بطوله. ولم ينسب اخراجه الى ابن جرير الطبرى. كذا القرطبى فى تفسيره (٢٤٢/ ٨) وابن كثير مع البغوى (٢٣٣/ ٤). قلت: كل هذه الاثار لا تقوم الحجة بها وسوف يأتى ترجيح أبى جعفر بين هذه الاثار ويذهب الى الاقوال الصحيحة فى ذلك، وهو قول من نزلت فى المعترفين بخطأ فعلهم فى تخلفهم عن رسول اللَّه -ﷺ- وتركهم الجهاد معه، والخروج لغزو الروم حين شخص الى تبوك، وان الذين نزل فيهم جماعة، أحدهم أبو لبابة. وقال ابن كثير ٣٨٥/ ٢ فى تفسيره وهذه الآية وان كانت نزلت فى اناس معينين، الا أنها عامة فى كل المذنبين المخلطين المتلوثين، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١١٧ ]
وحرام، وأوس، وكلهم من الانصار، وهم الذين قيل فيهم ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية (١)
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (١٤/ ١١) قلت: هذا الاثر مرسل صحيح الاسناد الى قتادة الا ما يقال من اختلاط سعيد بن أبى عروبة انظر الاغتباط ص ١٢ وقال السيوطى فى الدر المنثور (٢٧٣/ ٣): مشيرا الى هذا الاثر أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ولم يذكر ابن جرير الطبرى. وأورده القاسمى فى تفسيره (٣٢٤٨/ ٨) ونسب اخراجه الى مانسب اليه السيوطى. ولم يشر اليه الشوكانى فى فتح القدير (٣٨٣/ ٢) ولا ابن كثير في تفسيره (٣٨٥/ ٢) ولا القرطبى فى تفسيره (٢٤٢/ ٨) انظر فتح البيان للسيد صديق حسن خان (١٩١/ ٤). وقال أبو جعفر فى تفسيره (١٤/ ١١) حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ قال: هم نفر ممن تخلف عن تبوك: منهم أبو لبابة، ومنهم جد بن قيس، تيب عليهم، قال: قتادة: وليسوا بثلاثة. قلت: إن هذا الاثر صحيح الاسناد مع أنه مرسل مقطوع. وذكر اثرا آخر مماثلا عن قتادة باسناد آخر وفيه ضعف بسيط إذ قال: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة ثم ذكر نحو ما ذكر فى الاسناد الاول. والحسين فى الاسناد هو سنيد بن داود المصيصي المحتسب، ضعيف، مع امامته، ومعرفته، لكونه كان يلقن حجاج بن محمد، شيخه انظر التقريب (٣٣٥/ ١). ويرى الحافظ ابن حجر فى مثل هذه الحالة استئناسا قويا بالمعنى الذى يروى عن هذه الطرق فكثيرا ما يقول فى الفتح يؤيد هذا المرسل مرسل آخر روى بهذا المعنى، وانا ممن لا يشذ عن هذه القاعدة فأرى ما يراه الحافظ، واللَّه أعلم.
[ ١١٨ ]
قال أبو جعفر:
حدثت عن الحسين بن الفرج (١)، قال سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: فى قوله تعالى ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ نزلت فى أبى لبابة وأصحابه، تخلفوا عن رسول اللَّه -ﷺ- فى غزوة تبوك، فلما قفل رسول اللَّه -ﷺ- من غزوته، وكان قريبا من المدينة، ندموا على تخلفهم عن رسول اللَّه -ﷺ-، وقالوا: نكون فى الظلال، والأطعمة، والنساء ونبى اللَّه فى الجهاد واللأواء، واللَّه لنوثقن أنفسنا بالسوارى، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي اللَّه -ﷺ- هو الذى يطلقنا ويعذرنا، وأوثقوا أنفسهم، وبقى ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم، فقدم رسول اللَّه -ﷺ- من
_________________
(١) هو: الحسين بن فرج، أبو على وقيل: أبو صالح ويعرف بابن الخياط. بغدادى، حدث فى الغربة، عن يحيى بن سليم وغيره قال يحيى بن معين ابن الخياط ذاك نعرفه يسرق الحديث فى الصغر وقال الخطيب فى تاريخه (٨٤ - ٨٦/ ٨) فيه ضعف قلت: لا يحتج بحديثه وقد ترجم له الحافظ فى لسان الميزان (٢٠٧/ ٢) وصاحب تاريخ أصبهان (٢٦٦ - ٢٦٧/ ١) والامام ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل، (٦٢ - ٦٣/ ١/ ٢) وقد أخرج الطبرى فى تفسيره (١٣/ ١١) هذه الرواية عن طريق العوفى وهذا طريق آخر ضعيف ولا تقوم به الحجة ولا يصلح أن يكون متابعا أو شاهدا لطريق العوفى المذكور. وقد انفرد بهذا الاسناد الامام أبو جعفر لان بقية المراجع من أهل التفسير لم تذكر هذه الرواية واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وللقرطبى فى تفسيره (٢٤٢ - ٢٤٤/ ٨) تحت هذه الآية كلام جيد فارجع اليه فاستفد منه الدرر فى الاحكام.
[ ١١٩ ]
غزوته، فمر فى المسجد وكان طريقه، فأبصرهم، فسأل عنهم، فقيل له: أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك يا نبى اللَّه، فصنعوا بأنفسهم ما ترى، وعاهدوا اللَّه أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذى تطلقهم، فقال نبي اللَّه -ﷺ-: لا أطلقهم حتى أؤمر باطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يعذرهم اللَّه، قد رغبوا عنى بأنفسهم عن غزوة المسلمين، فأنزل اللَّه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الى قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعسى من اللَّه واجب (١).
قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية أبو لبابة خاصة، وذنبه الذى اعترف به، فتيب عليه منه، ما كان من أمره فى بنى قريظة وذكر من قال ذلك.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير (٢)، عن ورقاء (٣) عن ابن أبى نجيح،
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (١٤/ ١١).
(٢) أما ابن نمير فهو عبد اللَّه بن نمير، بنون، مصغرا، الهمدانى، أبو هشام الكوفى، ثقة صاحب حديث، من أهل السنة، من كبار التاسعة مات ١٩٩ وله أربع وثمانون سنة / ع انظر التقريب (٤٥٧/ ١).
(٣) أما ورقاء، فهو ورقاء بن عمر البشكرى، أبو بشر الكوفى، نزيل المدائن صدوق فى حديثه عن منصور، لين، من السابعة/ ع انظر التقريب (٣٣٠/ ٢) إذا قال قائل: كيف أخرج له البخارى فى صحيحه وهو ليس على شرطه: قلت أجاب عنه الحافظ فى مقدمة الفتح بجواب بليغ فانظر المقدمة ٤٤٩ - ٤٥٠.
[ ١٢٠ ]
عن مجاهد ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قال: نزلت فى أبى لبابة، قال: لبنى قريظة ما قال (١).
قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل نزلت فى أبى لبابة بسبب تخلفه عن تبوك حدثنا محمد بن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الزهرى: كان أبو لبابة، ممن تخلف عن النبي -ﷺ- فى غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية فقال: واللَّه لا أحل نفسى منها، ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت، أو يتوب اللَّه عليّ، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا، حتى خر مغشيا عليه، قال: ثم تاب اللَّه عليه، ثم قيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة فقال: واللَّه
_________________
(١) انظر تفسير ابن جرير الطبرى (١٥/ ١١). قلت: أخرج ابن جرير الطبرى أربعة آثار مقطوعة من كلام مجاهد فى تفسيره (١٥/ ١١) باسانيد بعضها صحيحة، وبعضها حسنة ومنها ما قال، وأشار الى حلقه: ان محمدا ذا يحكم ان نزلتم على حكمه. ويذهب الحافظ ابن حجر الى أن مرسل إذا اعتضد بمرسل آخر يتقوى وتقوم به الحجة وكثيرا ما يقول الحافظ بذلك بشرط أن يكون كلا المرسلين صحيحى الاسناد. وقال الحافظ أبو عمرو فى الاستيعاب (١٦٧ - ١٦٨/ ٤) قال: كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي -ﷺ - فى غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية وقال واللَّه لا أحل نفسى منها، ولا أذوق طعاما، ولا شرابا، حتى يتوب اللَّه عليّ أو أموت فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا، حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب اللَّه عليه ثم أبو عمر بن عبد البر أورد هذه الرواية نقلا عن الزهرى. قلت: وأنا أرى أن الآية نزلت فى أبى لبابة وفى نفر كانوا تخلفوا عن رسول اللَّه -ﷺ- فى غزوة تبوك. واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٢١ ]
لا أحل نفسى حتى يكون رسول اللَّه -ﷺ- يحلنى، قال: فجاء النبي -ﷺ- فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول اللَّه: ان من توبتى أن أهجر دار قومى التى أصبت فيها الذنب، وانخلع من مالى كله صدقة الى اللَّه والى رسوله، قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث (١).
قال أبو جعفر: وقال بعضهم: عنى بهذه الآية الاعراب. وذكر من قال ذلك. حدثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ قال: فقال أنهم من الاعراب (٢).
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبرى (١٥/ ١١). قلت: هذا الاثر مقطوع باسناد صحيح الى الزهرى، وقد أورد الاثر ابن عبد البر فى الاستيعاب (١٦٧ - ١٦٨/ ٤) فى ترجمة أبى لبابة. قلت: لم يشر السيوطى الى هذا الاثر فى الدر المنثور (٢٧٣/ ٣) وكذا الشوكانى فى فتح القدير (٣٨٣/ ٢) وأورده القرطبى فى تفسيره معلقا (٢٤٢/ ٨) ولم ينسبه الى الزهري. وسكت عنها الامام ابن كثير فى تفسيره (٣٨٥/ ٢) وكذلك القاسمى (٣٢٤٧ - ٣٢٥١/ ٨) وأشار الالوسى فى روح المعانى الى هذه الرواية بقوله وقيل نزلت فى أبى لبابة عندما تخلف عن تبوك انظر التفسير (١٢ - ١٣/ ١١). وقال الرازى فى التفسير الكبير (١٧٥ - ١٧٦/ ١٦) روى أن الآية نزلت فى ثلاثة: أبى لبابة، مروان بن عبد المنذر، واوس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، وقيل كانوا عشرة ثم ذكر المسائل تتعلق بالتخلف وما يترتب عليه من المصائب على المتخلفين وانهم عالة على المجتمع الاسلامى فيجب معالجتهم وعدم موالاتهم.
(٢) تفسير ابن جرير الطبرى (١٥ - ١٦/ ١١).=
[ ١٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلت: هذا من أوهى الاسانيد التى تنسب الى ابن عباس ولم يصح وقد مر بكم مرارا، بان هذا المتن يروى كثيرا فى الطبرى ويقال له: سلسلة الضعفاء ولا تقوم به حجة. واللَّه أعلم. قال أبو جعفر فى تفسيره (١٦/ ١١) وأولى هذه الاقوال بالصواب فى ذلك: قول من يقول: نزلت هذه الآية فى المعترفين بخطأ فعلهم، فى تخلفهم عن رسول اللَّه -ﷺ-، وتركهم الجهاد معه، والخروج لغزو الروم، وان الذين نزل ذلك فيم جماعة أحدهم "أبو لبابة". انما كان ذلك اولى بالصواب فى ذلك، لان اللَّه جل وعلا قال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأخبر من اعتراف جماعة بذنوبهم، ولم يكن المعترف بذنبه، الموثق نفسه بالسارية فى حصار قريظة غير أبى لبابة وحده، فإذا كان كذلك، وكان اللَّه ﵎ قد وصف فى قوله ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ بالاعتراف بذنوبهم جماعة، عل أن الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد، فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذ لم تكن الا للجماعة وكان لا جماعة فعلت ذلك فيما نقله أهل السير والاخبار، وأجمع عليه أهل التأويل، إلا جماعة من المتخلفين من غزوة تبوك صح ما ذهب اليه غير واحد من أهل التفسير، قلت: هذا هو الصحيح فى نظرى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. * * *
[ ١٢٣ ]