الحمد للَّه الذى أعزنا بمحمد -ﷺ-، إذ بعثه إلينا هاديا، ومرشدا ومجاهدا، وداعيا إلى اللَّه بإذنه وسراجا منيرا، والصلاة والسلام على خليله الهادى إلى الحق الأبلج، وعلى من سار بهداه، من الأولين والآخرين إلى يوم الدين أما بعد،
فهذا موجز بسيط لما فى هذه الفصول الثلاثة والسبعين، من أمره -ﷺ- وشأنه، من رفعة هذا الدين، وبذله ﷺ ماله، وحياته، وجهده لإعلاء كلمة الدين، وذلك قيامه -ﷺ- فى سنة تسع من الهجرة، بأداء أكبر واجب اسلامى نحو تمديد هذه الرسالة السامية، وهو اداؤه ﷺ فريضة الجهاد، فى آخر غزوة غزاها -ﷺ-، وهي غزوة تبوك.
فخرج إليها -ﷺ- فى رجب سنة تسع من الهجرة، يوم الخميس، لخمس خلون من رجب بأكبر جيش إسلامي بلغ عدده ثلاثين ألفا، على أصح الروايات المحققة فى قحط شديد من كل شئ،
[ ٣ ]
حين طابت الثمار، واشتهيت الظلال والنساء والناس إليها صعر (١).
لم يكن سبب وقوع هذه الغزوة، أمرا خاصا كما يقوله اليعقوبى فى تاريخه، أنه خرج إليها -ﷺ- لاخذ ثأر ابن عمه جعفر ابن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه الذى استشهد فى غزوة مؤتة، ولا ما يقوله ابن سعد فى طبقاته الكبرى، أنة توجه إليها بناء على الاخبار التى وردت الى المدينة، بأن الروم جمعت جموعا كبيرة فى الشام، فتريد الهجوم على المدينة، وهناك أسباب أخرى ذكرها المؤرخون إلا أنها لم تكن صحيحة لانها لم تثبت عن طريق الأسانيد الصحيحة، إنما خرج إليها -ﷺ- بناء على أمر إلهي شامل، عندما أنتهت الحروب الداخلية فى الجزيرة العربية، فعليه أن يوجه عنايته الى خارج الجزيرة لإبلاغ هذه الرسالة السامية، مستندا على قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢) هذا هو الامر الالهى الذى كان سببا أساسيا لوقوع غزوة تبوك، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك بن مزاحم الهلالى، وغيرهم رحمهم اللَّه تعالى.
وقد بحثت عن أسانيد هذه الاقوال، فوجدتها كلها تقريبا صالحة للاحتجاج بها، ففصول هذه الغزوة عبارة عن مائة وعشرين حادثة متنوعة وقعت فى غزوة تبوك، وقد حققت منها، ثلاثًا وسبعين حادثة
_________________
(١) مائلون.
(٢) سورة التوبة الآية ٢٩.
[ ٤ ]
على طريق المحدثين، عن طريق الاسناد، وقد تكون بعض هذه الحوادث متداخلة، بعضها فى البعض الآخر إلا أنها تختلف نوعيتها عن مثيلاتها فى جوانب أخرى، وتشمل هذه الحوادث التى جرت على يد رسول اللَّه -ﷺ- منذ خروجه من المدينة حتى رجوعه إليها، فمثلا، حادثة سبب وقوع الغزوة، ووجه تسميتها بتبوك، ولماذا سميت العسرة، وعدد جيش العسرة، كيفية اتخاذ الالوية فى الغزوة، ونفقات الصحابة فيها على الترتيب، وقصة كعب بن مالك واصحابه رضى اللَّه تعالى عنهم، وما نزل فيهم من القرآن، وموقف المنافقين من هذه الغزوة، ومعجزات الرسول -ﷺ- التى صدرت عنه فى الغزوة، إثناء سيره إلى تبوك، ورجوعه منها، وقصة ديار ثمود وما جرى فيها، وإكرامه -ﷺ- بعض أصحابه فى الغزوة كصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف رضي اللَّه تعالى عنه، ومقالته -ﷺ- فى مناديل سعد بن معاذ الذى استشهد فى غزوة الاحزاب، وصلح رسول اللَّه -ﷺ- مع صاحب أيلة، كيفية صلاته هناك، ومدة اقامته -ﷺ- فى تبوك. وغير ذلك من الحوادث، ثم استقباله -ﷺ- بالمدينة عند رجوعه من تبوك من قبل الصبيان والولائد والنساء وغيرهم ممن كانوا تخلفوا بعذر.
ورجزهم بابيات رقيقة أخرجها النسائي وغيره بهذه المناسبة السعيدة:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا للَّه داع
وصلى اللَّه عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
[ ٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ