أ- أما مخطط السير الذى اخترته، فهو عبارة عن جمع المادة المناسبة من أحاديث غزوة تبوك من مصادر عديدة من أمهات كتب السنة وغيرها، مما يعتنى أصحابها بالاسناد.
ب- ثم توزيعها، وسبكها فى هيكل البحث، تحت فصول معروفة
_________________
(١) سورة العنكبوت رقم الآية (٦٩).
[ ٢٨ ]
مناسبة حسب التزتيب الزمنى للغزوة، ولا يخفى عليك أنى اعتبرت الغزوة كلها كباب واحد، ثم قسمت هذا الباب الى ثلاثة وسبعين فصلا، والفصل عبارة عن حادثة معينة وقعت فى الغزوة، وهى عبارة بتعبير أوضح، عن أعمال، وأقوال، وتقريرات نبوية، ومعجزات صدرت عن رسول اللَّه -ﷺ-، أو كرامات صدرت عن بعض الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، وما نزل فيها من القرآن الكريم فى شأن هذه الغزوة، وستبدأ الغزوة بالفصل الأول فى وجه تسميتها باسم تبوك، وتنتهى بالفصل الثالث والسبعين فى وفاة عبد اللَّه ابن أبى ابن سلول، هذا ما يتعلق بجمع المادة، ووضعها تحت فصول معروفة.
ج- شكلية الرسالة:
أما شكلية الرسالة، فإنها تخالف ما درج عليه البحث الحديث، لكون هذه الدراسة لم تتفق أبدا فى طبيعتها مع الشكلية الحديثة التى سار عليها بعض من اغتر بالباحثين المستشرقين، لأن همتهم كلها، أو غالبها مصروفة فى هذه الشكليات فقط، وأما العلم وحقائقه فليس عندهم غالبا، الا التحريف والزيغ، وقلب الحقائق العلمية الثابتة التى سار عليها المحدثون الاولون، كما رأيت من صنيع المستشرق جوزيف هوروفتس وأنا لا أنكر فضل هذه الشكليات التى سار عليها هؤلاء، الا أنها أشياء ثانوية، ولذا سرت فى تحقيق هذه الغزوة كما سار عليه الشيخ المحدث أحمد محمد شاكر رحمه اللَّه تعالى
[ ٢٩ ]
فى تحقيقه على تفسير ابن جرير الطبرى (١) وهو أنى وضعت الحديث أو الأثر فى صلب الرسالة، والتحقيق فى أسفلها فى الهامش، وقد يزيد التحقيق عن الأصل، لانه قد توجد هناك ملابسات خطيرة، أو أوهام وقعت فى بعض رجال الاسناد، أو سقط فى بعض الأسماء، ثم آراء المحدثين المختلفة فى بعض رجال الاسناد، ونحو ذلك، ثم تخرج الحديث الذى يشمل الكتب الستة، وغيرها، لذا أعتذر الى من يخفى عليه هذه الظاهرة، فيوجه الى النقد متسرعا غير مبال لما أشرت إليه آنفا من حيث كثرة الهوامش أو التطويل فيها، مع أن الصلب قد يكون عدة أسطر.
د- التحقيق:
أما التحقيق الذى اخترته، فهو عبارة عن نقد رجال الاسناد، من أوله من ينتهى اليه الاسناد، دون الصحابة، وذلك ان لم يكن الحديث قد أخرجه الشيخان أو أحدهما فقط، وفى مثل هذه الحالة لا حاجة لى فى نقد الرجال، ولو للتعليم تأدبا معهما رحمهما اللَّه تعالى، فإنهما قد جازا القنطرة، كما يقولون.
الا فى حالة واحدة، وهى إذا كان الحديث روى عند البخاري رحمه اللَّه تعالى معلقا فقط، أو روى عند مسلم فى المتابعات والشواهد فسأبحث عن رجال الاسناد، وسأذكر موضع التعليق فى كتب أخرى،
_________________
(١) طبع فى سبعة عشر مجلدا الى سورة الحجر فيما أظن الطبعة الأولى بمصر الناشر دار المعارف بمصر.
[ ٣٠ ]
وللحافظ ابن حجر ﵀ فى تعاليق البخارى كتاب حافل عظيم سماه تغليق التعليق (١) وأما إذا كان الحديث روى عند الإمام أحمد فى مسنده مثلا وعند غيره من الأئمة، وقد أخرجه الشيخان أيضا، ففى مثل هذه الحالة أنا مختار فى أن أبحث عن رجال الإمام أحمد وغيره أو لا أبحث، ولا أقصد حينئذ صحة الحديث، بل هناك أمور كثيرة، منها التمرن على حفظ تراجم رجال الحديث، ومعرفة كتب تراجم الحديث، والتطبيق العملى لما درس فى مصطلح الحديث. وزد على ذلك أن الاسناد قد يكون ضعيفا عند الإمام أحمد وغيره مع أن الحديث مروى عند الشيخين باسانيدهما الصحيحة. وهذه هى الفائدة عن بحث رجال الاسناد، بعد تخريج الحديث، أما إذا كان الحديث لم يرو فى الصحيحين أو فى أحدهما مطلقا. فهنا الزم نفسى على نقد رجال الاسناد، والبحث عنهم، ثم الحكم على الحديث أما صحة أو ضعفا أو نحو ذلك، حسب ما ظهر عن الدراسة النقدية، وأحيانا لا أبحث عن رجال الاسناد اطلاقا فى حديث ما. فأفهم فى مثل هذه الحالة أن رجال الاسناد كلهم ثقات، أو يحتج بحديثهم وقد مر ذكرهم فى الاسانيد السابقة.
وفى ذكر رجال الاسناد فوائد عظيمة نافعة خصوصا إذا كان طالب العلم حديث العهد بهذه الدراسة، لانه قد يخطئ فى تعيين بعض رجال
_________________
(١) هو موجود بمكتبة الحرم المكى فى مجلد واحد، وللعبد الفقير فى وصفه مقالة متواضعة نشرتها جريدة الندوة بعددها الصادر ٣٥١٧ فى ٢٠/ ٤/ ١٣٩١ هـ وفى عدد ٢٢/ ٤/ ١٣٩١ هـ.
[ ٣١ ]
الاسناد، والتمييز بينهم فإذا ذكرهم فقد بزلت ذمته الى حد بعيد، لانه لا يبلغ الدرجة العلمية الكافية التى تمكنه من الحكم على صحة الحديث أو ضعفه بمجرد قوله: هذا حديث صحيح أو حسن، أو نحو ذلك، وأما إذا وضع رجال الاسناد أمام أهل العلم فى بحثه، ثم حكم حسب هذه الدراسة الحاضرة على اسناد معين بالصحة أو الضعف فهذا أسلم له ولدينه، وعلمه فإذا كان مخطئا فى نفس الأمر فى عدم معرفة الرجال أو خلط بين اسمائهم فحينئذ قد يوجه اليه النقد الذى يوجهه الى صوابه، إن شاء اللَّه تعالى.
ثم يوضع التخرج الذى سبقت دراسته قبل نقد الرجال.