بنيت الكعبة خلال الدهر كله، أربع مرات بيقين، ووقع الخلاف والشك فيما قبل هذه المرات الأربع وبعدها.
أما المرة الأولى منها: فهي التي قام بأمر البناء فيها نبي الله إبراهيم ﵊ يعينه ابنه إسماعيل ﵊، وذلك استجابة لأمر الله، وقد ثبت ذلك بصريح القرآن والسنة.
قال الله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (البقرة: ١٢٧)
وفي الحديث: « ثم قال- أي إبراهيم-: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: «ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم» قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: «ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم» . رواه البخاري في كتاب الأنبياء (٦٤) باب (يزفون) / الصافات ٩٤/ النسلان في المشي (١٢) حديث رقم (٣١٨٤)، عن ابن عباس، ج ٣، ص ١٢٣٠.
وأما المرة الثانية: فهي تلك التي بنتها قريش قبل الإسلام، واشترك النبي ﷺ في بنائها، وقصّرت النفقة بقريش فلم يتمموا البناء على قواعد إبراهيم ﵇.
وفي ذلك يقول النبي ﷺ: «يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم» .
[ ١٧ ]
فذلك الذي حمل ابن الزبير ﵄ على هدمه، قال يزيد- ابن رومان-: وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه، وأدخل فيه الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل، قال جرير- ابن حازم- فقلت له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: هاهنا، قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها. رواه البخاري في كتاب الحج (٣٢)، باب فضل مكة وبنيانها (٤١)، حديث رقم (١٥٠٩)، ج، ص ٥٧٤.
ومن الدروس المستفادة ما رواه جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ، كان ينقل معهم الحجارة للكعبة، وعليه إزارة، فقال له العباس عمه: يا ابن أخي، لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة، قال: فحلّه فجعله على منكبيه، فسقط مغشيا عليه، فما رئي بعد ذلك عريانا ﷺ. رواه البخاري في كتاب الصلاة في الثياب (٩) باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها (٧)، حديث رقم (٣٥٧)، ج ١، ص ١٤٣، وتكرر تحت رقم ١٥٠٥ و٣٦١٧.
وأما المرة الثالثة: فقد كانت عند ما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزتها جيوشه من أهل الشام، عند ما حاصروا عبد الله بن الزبير بقيادة الحصين بن نمير في آخر سنة ست وأربعين للهجرة، ورموا البيت بالمنجنيق، فتهدم واحترق.
فانتظر ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم، فاستشارهم قائلا: أيها الناس، أشيروا عليّ في الكعبة، أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وهى منها؟ فقال له ابن عباس: أرى أن تصلح ما وهى وتدع بيتا أسلم الناس عليه، وأحجارا أسلم الناس عليها، فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدّه، فكيف بيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري.
ثم باشر نقضه بعد ثلاثة أيام حتى بلغوا به الأرض، فأقام ابن الزبير أعمدة من حوله، وأرخى عليها الستور، ثم باشروا في رفع بنائه، وزاد فيه ما أخرجت قريش منه.
وزاد في ارتفاعه إلى السماء عشرة أذرع، وجعل له بابين، اتباعا لحديث عائشة.
وأما المرة الرابعة: فقد كانت بعد مقتل ابن الزبير.
روى مسلم عن عطاء أنه لما قتل ابن الزبير، كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أسّ نظر إليه العدول
[ ١٨ ]
من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء. أما ما زاد في طوله- ارتفاعه- فأقرّه، وأما ما زاد فيه من الحجر فردّه إلى بنائه، وسدّ الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه.
أما ما وقع الشك والخلاف فيه فهو بناء الكعبة قبل بناء نبي الله إبراهيم ﵊، روى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عبد الله بن عمرو قال:
قال رسول الله ﷺ: «بعث الله ﷿ جبريل ﵇ إلى آدم وحواء، فقال لهما: ابنيا لي بيتا، فخط لهما جبريل ﵊، فجعل آدم يحفر، وحواء تنقل حتى أصابه الماء، فنودي من تحته: حسبك يا آدم، فلما بنياه أوحى الله إليه أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح ﵇، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم ﵊ القواعد منه» .
وهناك روايات وآثار أخرى قريبة في المعنى الذي رواه البيهقي، إلا أن جميعها لا يخلوا من ضعف أو نكارة.
فالأولى اعتماد ما ثبت يقينا، وأما ما وراء ذلك فنكل علمه إلى الله.
[ ١٩ ]