ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: والله لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبا فشق إزاره وسدها به، وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله ﷺ: ادخل. فدخل رسول الله ﷺ، ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله ﷺ، فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ، فقال: مالك يا أبا بكر؟ قال لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله ﷺ، فذهب ما يجده «٣» .
_________________
(١) رحمة للعالمين ١/ ٩٥- ويكون شهر صفر هذا من السنة الرابعة عشرة من النبوة إذا فرضنا بداية السنين من شهر محرم، وأما إذا بدأنا السنين من الشهر الذي أكرم الله فيه نبيه ﷺ بالنبوة، فيكون شهر صفر هذا من السنة الثالثة عشرة قطعا. وعامة من يكتب في السيرة ربما يختار هذا، وربما يختار ذلك، فكثيرا ما يتخبط في ترتيب الوقائع، ويقع في أغلاط ونظرا إلى ذلك اخترنا بداية السنين من شهر محرم.
(٢) رحمة للعالمين ١/ ٩٥، مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله النجدي ص ١٦٧.
(٣) رواه رزين عن عمر بن الخطاب ﵁، وفيه ثم انتقض عليه (أي رجع أثر السم حين موته) وكان سبب موته. انظر مشكاة المصابيح، باب مناقب أبي بكر ٢/ ٥٥٦.
[ ١٠٩ ]
وكمنا في الغار ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد «١»
. وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما. قالت عائشة: وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام. و(كان) يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل- وهو لبن منحتهما ورضيفهما- حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث»
. وكان عامر بن فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليعفي عليه «٣» .
أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلات رسول الله ﷺ صباح ليلة تنفيذ المؤامرة. فأول ما فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليا، وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما «٤» .
ولما لم يحصلوا من عليّ على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر، وقرعوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا لها: أين أبوك؟ قالت: لا أدري والله أين أبي؟ فرفع أبو جهل يده- وكان فاحشا خبيثا- فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها «٥» .
وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة استخدام جميع الوسائل التي يمكن بها القبض على الرجلين، فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة (في جميع الجهات) تحت المراقبة المسلحة الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، كائنا من كان «٦» .
_________________
(١) انظر فتح الباري ٧/ ٣٣٦.
(٢) صحيح البخاري ١/ ٥٥٣، ٥٥٤.
(٣) ابن هشام ١/ ٤٨٦.
(٤) رحمة للعالمين ١/ ٩٦.
(٥) ابن هشام ١/ ٤٨٧.
(٦) انظر صحيح البخاري ١/ ٥٥٤.
[ ١١٠ ]
وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن من دون جدوى وبغير عائدة.
وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره، روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال: كنت مع النبي ﷺ في الغار فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا. قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما، وفي لفظ: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما «١» .
وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه ﷺ، فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة.