وخلال هذا الجو الملبد بسحائب الظلم والطغيان أضاء برق آخر أشد بريقا وإضاءة من الأول، ألا وهو إسلام عمر بن الخطاب، أسلم في ذي الحجة سنة ست من النبوة «٣» . بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة ﵁ «٤» . وكان النبي ﷺ قد دعا الله تعالى لإسلامه، فقد أخرج الترمذي عن ابن عمر، وصححه، وأخرج الطبراني عن ابن مسعود وأنس أن النبي ﷺ قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام» فكان أحبهما إلى الله عمر ﵁ «٥» .
_________________
(١) مختصر سيرة الرسول للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٦٦، رحمة للعالمين ١/ ٦٨، ابن هشام ١/ ٢٩١، ٢٩٢.
(٢) تدل عليه رواية ذكرها الشيخ عبد الله النجدي في مختصر السيرة ص ١٠١.
(٣) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص ١١.
(٤) ستأتي رواية في ذلك.
(٥) الترمذي، أبواب المناقب، مناقب أبي حفص عمر بن الخطاب ٢/ ٢٠٩.
[ ٥٤ ]
وخلاصة الروايات مع الجمع بينها- في إسلامه ﵁- أنه التجأ ليلة إلى المبيت خارج بيته، فجاء إلى الحرم، ودخل في ستر الكعبة، والنبي ﷺ قائم يصلي وقد استفتح سورة «الحاقة» فجعل عمر يستمع إلى القرآن، ويعجب من تأليفه، قال: فقلت- أي في نفسي- هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٦٩: ٤٠، ٤١) قال: قلت: كاهن. قال: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إلى آخر السورة. قال فوقع الإسلام في قلبي «٢» .
كان هذا أول وقوع نواة الإسلام في قلبه، لكن كانت قشرة النزعات الجاهلية، والعصبية التقليدية، والتعاظم بدين الآباء هي غالبة على مخ الحقيقة التي كان يتهمس بها قلبه، فبقي مجدا في عمله ضد الإسلام، غير مكترث بالشعور الذي يكمن وراء هذه القشرة.
وكان من حدة طبعه وفرط عداوته لرسول الله ﷺ أنه خرج يوما متوشحا سيفه، يريد القضاء على النبي ﷺ، فلقيه نعيم بن عبد الله النحام العدوي «٣»، أو رجل من بني زهرة «٤»، أو رجل من بني مخزوم»
فقال: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدا قال: كيف تأمن من
_________________
(١) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص ٦، ويقرب من هذا ما رواه ابن إسحاق عن عطاء ومجاهد. لكن في آخره ما يخالف ذلك. انظر ابن هشام ١/ ٣٤٦، ٣٤٧، ٣٤٨، ويقرب من هذا أيضا ما أورده ابن الجوزي عن جابر، وفي آخره أيضا ما يخالف هذه الرواية انظر تاريخ عمر بن الخطاب ص ٩- ١٠.
(٢) وهذا على رواية ابن إسحاق، انظر ابن هشام ١/ ٣٤٤.
(٣) روى ذلك أنس بن مالك ﵁. انظر تاريخ عمر بن الخطاب ص ١٠، ومختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله بن محمد النجدي ص ١٠٣.
(٤) روى ذلك ابن عباس انظر المصدر الأخير ص ١٠٢.
[ ٥٥ ]
بني هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمدا؟ فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي كنت عليه، قال أفلا أدلك على العجب يا عمر! إن أختك وختنك «١» قد صبوا، وتركا دينك الذي أنت عليه، فمشى عمر دامرا «٢» حتى أتاهما وعندهما خباب بن الأرت، معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها- وكان يختلف إليهما ويقرئهما القرآن- فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت، وسترت فاطمة- أخت عمر- الصحيفة، وكان قد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب إليهما، فلما دخل عليهما قال: ما هذه الهينمة «٣» التي سمعتها عندكم؟ فقالا:
ما عدا حديثا تحدثناه بيننا. قال: فلعلكما قد صبوتما. فقال له خنته: يا عمر أرأيت إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديدا. فجاءت أخته فرفعته عن زوجها فنفحها نفحة بيده، فدمى وجهها- وفي رواية ابن إسحاق أنه ضربها فشجها- فقالت- وهي غضبى-: يا عمر إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.
فلما يئس عمر، ورأى ما بأخته من الدم ندم واستحي، وقال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه، فقالت أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل، فقام فاغتسل، ثم أخذ الكتاب، فقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال: أسماء طيبة طاهرة. ثم قرأ طه حتى انتهى إلى قوله إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي فقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه؟ دلوني على محمد.
فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت، فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة الرسول ﷺ لك ليلة الخميس (اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام) ورسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا.
فأخذ عمر سيفه، فتوشحه، ثم انطلق حتى أتى الدار، فضرب الباب، فقام رجل ينظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف، فأخبر رسول الله ﷺ، واستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر، فقال: وعمر، افتحوا له الباب، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه، ورسول الله ﷺ داخل يوحى إليه فخرج إلى عمر حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، ثم حبذه جبذة شديدة فقال: أما أنت منتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة؟ اللهم! هذا
_________________
(١) أي: صهرك
(٢) دمر: هجم هجوم الشر
(٣) الصوت الخفيف
[ ٥٦ ]
عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، فقال عمر، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. وأسلم فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد «١» .
كان عمر ﵁ ذا شكيمة لا يرام، وقد أثار إسلامه ضجة بين المشركين بالذلة، والهوان، وكسا المسلمين عزة وشرفا وسرورا.