وفي يوم الإثنين ٨ ربيع الأول سنة ١٤ من النبوة- وهي السنة الأولى من الهجرة- الموافق ٢٣ سبتمبر سنة ٦٢٢ م نزل رسول الله ﷺ بقباء «٤» .
_________________
(١) زاد المعاد ٢/ ٥٣، ٥٤.
(٢) رحمة للعالمين ١/ ١٠١.
(٣) روى ذلك البخاري عن عروة بن الزبير ١/ ٥٥٤.
(٤) رحمة للعالمين ١/ ١٠٢- وفي هذا اليوم تم عمره ﷺ ثلاثة وخمسين عاما كاملا لا وكس ولا شطط، وتم على نبوته ثلاثة عشر عاما كاملا عند من يقول: إنه أكرم بالنبوة في ٩ ربيع الأول في سنة ٤١ من عام الفيل، وأما-
[ ١١٥ ]
قال عروة بن الزبير: سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، فيتنظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أو فى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح «١» .
قال ابن القيم: وسمعت الرّجّة والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحي ينزل عليه: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٦٦: ٤) «٢» .
قال عروة بن الزبير: فتلقوا رسول الله ﷺ، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي- وفي نسخة: يجيء- أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك «٣» .
وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال، وكان يوما مشهودا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها، وقد رأى اليهود صدق بشارة حبقوق النبي: إن الله جاء من التيمان، والقدوس من جبال فاران «٤» .
ونزل رسول الله ﷺ بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل: بل على سعد بن خيثمة، والأول أثبت، ومكث علي بن أبي طالب بمكة ثلاثا، حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت
_________________
(١) - من يقول: إنه أكرم بالنبوة في رمضان سنة ٤١ من عام الفيل فعنده يتم على نبوته- في ذلك اليوم- اثنى عشر عاما وخمسة أشهر و١٨ يوما أو ٢٢ يوما.
(٢) صحيح البخاري ١/ ٥٥٥.
(٣) زاد المعاد ٢/ ٥٤.
(٤) صحيح البخاري ١/ ٥٥٥.
(٥) صحيفة حبقوق (٣: ٣) .
[ ١١٦ ]
عنده للناس، ثم هاجر ماشيا على قدميه، حتى لحقهما بقباء، ونزل على كلثوم بن الهدم «١» .
وأقام رسول الله ﷺ بقباء أربعة أيام: الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس «٢» . وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، فلما كان اليوم الخامس- يوم الجمعة- ركب بأمر الله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار- أخواله- فجاؤوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مائة رجل «٣» .