ولي إسماعيل ﵇ زعامة مكة وولاية البيت طول حياته «٢» . وتوفي وله ١٣٧ سنة «٣» . ثم ولي إثنان من أبنائه نابت ثم قيدار، ويقال العكس، ثم ولي أمر مكة بعدهما جدّهما مضاض بن عمرو الجرهمي، فانتقلت زعامة مكة إلى جدهم، وظلت في أيديهم، وكان لأولاد إسماعيل مركز محترم؛ لما لأبيهم من بناء البيت، ولم يكن لهم من الحكم شيء «٤» .
ومضت الدهور والأيام ولم يزل أمر أولاد إسماعيل ﵇ ضئيلا لا يذكر، حتى ضعف أمر جرهم قبيل ظهور بختنصر، وأخذ نجم عدنان السياسي يتألق في أفق سماء مكة منذ ذلك العصر، بدليل ما جاء بمناسبة غزو بختنصر للعرب في ذات عرق، فإن قائد العرب في الموقعة لم يكن جرهميا «٥» .
وتفرقت بنو عدنان إلى اليمن عند غزوة بختنصر الثانية (سنة ٥٨٧ ق. م)، وذهب برمياه النبي بمعد إلى الشام، فلما انكشف ضغط بختنصر رجع معد إلى مكة فلم يجد من جرهم إلا جرشم بن جلهمة، فتزوج بابنته معانة فولدت له نزارا «٦» .
وساء أمر جرهم بمكة بعد ذلك، وضاقت أحوالهم، فظلموا الوافدين إليها، واستحلوا مال الكعبة «٧»، الأمر الذي كان يغيظ العدنانيين، ويثير حفيظتهم، ولما نزلت خزاعة بمر الظهران، ورأت نفور العدنانيين من الجراهمة استغلت ذلك، فقامت بمعونة من
_________________
(١) نفس المصدر ١/ ٣٤، وأرض القرآن ٢/ ٨٠، ٨١، ٨٢.
(٢) قلب جزيرة العرب ص ٢٣٠- ٢٣٧.
(٣) سفر التكوين ٢٥: ١٧.
(٤) قلب جزيرة العرب ص ٢٣٠- ٢٣٧، وابن هشام ١/ ١١١- ١١٣، وذكر ابن هشام ولاية نابت فقط من أولاد إسماعيل ﵇.
(٥) قلب جزيرة العرب ص ٢٣٠- ٢٣٧، وابن هشام ١/ ١١١- ١١٣، وذكر ابن هشام ولاية نابت فقط من أولاد إسماعيل ﵇.
(٦) رحمة للعالمين ٢/ ٤٨.
(٧) قلب جزيرة العرب ص ٢٣١.
[ ١ / ٢٠ ]
بطون عدنان- وهم بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة- بمحاربة جرهم، حتى أجلتهم عن مكة، واستولت على حكمها، في أواسط القرن الثاني للميلاد.
ولما لجأت جرهم إلى الجلاء سدوا بئر زمزم، ودرسوا موضعها، ودفنوا فيها عدة أشياء، قال ابن إسحاق: فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي «١» بغزالي الكعبة «٢»، وبحجر الركن الأسود فدفنهما في بئر زمزم، وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن، فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا، وفي ذلك قال عمرو «٣»:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والجدود العواثر
ويقدر زمن إسماعيل ﵇ بعشرين قرنا قبل الميلاد، فتكون إقامة جرهم في مكة واحدا وعشرين قرنا تقريبا، وحكمهم على مكة زهاء عشرين قرنا. واستبدت خزاعة بأمر مكة دون بني بكر،