- قد علمنا ممّا سبق أن السقاية والرفادة بعد هاشم صارت إلى أخيه المطلب بن عبد مناف، وكان شريفا مطاعا ذا فضل في قومه، كانت قريش تسميه الفياض لسخائه، ولما صار شيبة- عبد المطلب- وصيفا أو فوق ذلك سمع به المطلب. فرحل في طلبه، فلما رآه فاضت عيناه، وضمه، وأردفه على راحلته، فامتنع حتى تأذن له أمه، فسألها المطلب أن ترسله معه، فامتنعت فقال:
_________________
(١) ابن هشام ١/ ٢، ٣، ٤، تلقيح فهوم أهل الأثر ص ٦، خلاصة السير للطبري ص ٦، ورحمة للعالمين ٢/ ١٨ واختلفت هذه المصادر في تلفظ بعض هذه الأسماء، وكذا سقط من بعض المصادر بعض الأسماء.
(٢) ابن هشام ١/ ١٣٧، رحمة للعالمين ١/ ٢٦، ٢/ ٢٤.
(٣) ابن هشام ١/ ١٠٧.
[ ١ / ٤٠ ]
إنما يمضي إلى ملك أبيه، وإلى حرم الله، فأذنت له، فقدم به مكة مردفه على بعيره، فقال الناس: هذا عبد المطلب، فقال: ويحكم إنما هو ابن أخي هاشم فأقام عنده حتى ترعرع، ثم إن المطلب هلك بردمان من أرض اليمن، فولى بعده عبد المطلب، فأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون لقومهم، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه، وعظم خطره فيهم «١» .
ولما مات المطلب وثب نوفل على أركاح عبد المطلب فغصبه إياها، فسأل رجالا من قريش النصرة على عمه، فقالوا: لا ندخل بينك وبين عمك. فكتب إلى أخواله من بني النجار أبياتا يستنجدهم، وسار خاله أبو سعد بن عدي في ثمانين راكبا، حتى نزل بالأبطح من مكة، فتلقاه عبد المطلب، فقال: المنزل، يا خال! فقال: لا والله حتى ألقى نوفلا، ثم أقبل فوقف نوفل، وهو جالس في الحجر مع مشايخ قريش، فسل أبو سعد سيفه وقال:
ورب البيت لئن لم ترد على ابن أختي أركاحه لأمكنن منك هذا السيف، فقال: رددتها عليه، فأشهد عليه مشايخ قريش، ثم نزل على عبد المطلب، فأقام عنده ثلاثا، ثم اعتمر ورجع إلى المدينة، فلما جرى ذلك حالف نوفل بني عبد شمس بن عبد مناف على بني هاشم، ولما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب قالوا: نحن ولدناه كما ولدتموه، فنحن أحق بنصره- وذلك أن أم عبد مناف منهم- فدخلوا دار الندوة، وحالفوا بني هاشم على بني عبد شمس ونوفل، وهذا الحلف الذي صار سببا لفتح مكة كما سيأتي «٢» .
ومن أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان «٣»:
حفر بئر زمزم ووقعة الفيل.
وخلاصة الأول أنه أمر في المنام بحفر زمزم ووصف له موضعها، فقام يحفر، فوجد فيه الأشياء التي دفنها الجراهمة حين لجأوا إلى الجلاء، أي السيوف والدروع والغزالين من الذهب، فضرب الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين، وأقام سقاية زمزم للحجاج.
ولما بدت بئر زمزم نازعت قريش عبد المطلب، وقالوا له: أشركنا قال ما أنا بفاعل،
_________________
(١) ابن هشام ١/ ١٣٧، ١٣٨.
(٢) مختصر سيرة الرسول للشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي ص ٤١، ٤٢.
(٣) ابن هشام: ١/ ١٤٢- ١٤٧.
[ ١ / ٤١ ]
هذا أمر خصصت به، فلم يتركوه حتى خرجوا به للمحاكمة إلى كاهنة بني سعد، ولم يرجعوا حتى أراهم الله في الطريق ما دلهم على تخصيص عبد المطلب بزمزم، وحينئذ نذر عبد المطلب لئن آتاه الله عشرة أبناء، وبلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة.
وخلاصة الثاني أن أبرهة الصباح الحبشي، النائب العام عن النجاشي على اليمن، لما رأى العرب يحجون الكعبة بنى كنيسة كبيرة بصنعاء، وأراد أن يصرف حج العرب إليها، وسمع بذلك رجل من بني كنانة، فدخلها ليلا فلطخ قبلتها بالعذرة. ولما علم أبرهة بذلك ثار غيظه، وسار بجيش عرمرم- عدده ستون ألف جندي- إلى الكعبة ليهدمها، واختار لنفسه فيلا من أكبر الفيلة، وكان في الجيش ٩ فيلة أو ١٣ فيلا، وواصل سيره حتى بلغ المغمس، وهناك عبأ جيشه، وهيأ فيله، وتهيأ لدخول مكة، فلما كان في وادي محسر بين المزدلفة ومنى برك الفيل، ولم يقم ليقدم إلى الكعبة، وكانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقوم يهرول، وإذا صرفوه إلى الكعبة برك، فبينا هم كذلك إذ أرسل الله عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، وكانت الطير أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجر في منقاره، وحجران في رجليه أمثال الحمص، لا تصيب منهم أحدا إلا صار تتقطع أعضاؤه، وهلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يموج بعضهم في بعض فتساقطوا بكل طريق، وهلكوا على كل منهل، وأما أبرهة فبعث الله عليه داء تساقطت بسببه أنامله، ولم يصل إلى صنعاء، إلا وهو مثل الفرخ، وانصدع صدره عن قلبه ثم هلك.
وأما قريش فكانوا قد تفرقوا في الشعاب وتحرزوا في رؤوس الجبال، خوفا على أنفسهم من معرة الجيش، فلما نزل بالجيش ما نزل رجعوا إلى بيوتهم آمنين «١» .
وكانت هذه الوقعة في شهر المحرم قبل مولد النبي ﷺ بخمسين يوما أو بخمسة وخمسين يوما- عند الأكثر- وهو يطابق أواخر فبراير أو أوائل مارس سنة ٥٧١ م، وكانت تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته، لأنا حين ننظر إلى بيت المقدس نرى أن المشركين من أعداء الله تسلطوا على هذه القبلة، وأهلها مسلمون كما وقع لبختنصر سنة ٥٨٧ ق. م، والرومان سنة ٧٠ م، ولكن الكعبة لم يسيطر عليها النصارى- وهم المسلمون إذ ذاك- مع أن أهلها كانوا مشركين.
_________________
(١) ابن هشام ١/ ٤٣ إلى ٥٦، تفهيم القرآن ٦٦/ ٤٦٢ إلى ٤٦٩.
[ ١ / ٤٢ ]
وقد وقعت هذه الوقعة في الظروف التي يبلغ نبأها إلى معظم المعمورة المتحضرة إذ ذاك، فالحبشة كانت لها صلة قوية بالرومان، والفرس لا يزالون لهم بالمرصاد، يترقبون ما نزل بالرومان وحلفائهم، ولذلك سرعان ما جاءت الفرس إلى اليمن بعد هذه الوقعة، وهاتان الدولتان كانتا تمثلان العالم المتحضر. فهذه الوقعة لفتت أنظار العالم ودلته على شرف بيت الله، وأنه هو الذي اصطفاه الله للتقديس، فإذن لو قام أحد من أهله بدعوى النبوّة كان ذلك هو عين ما تقتضيه هذه الوقعة، وكان تفسيرا للحكمة الخفية التي كانت في نصرة الله المشركين ضد أهل الإيمان بطريق يفوق عالم الأسباب.
وكان لعبد المطلب عشرة بنين، وهم: الحارث والزبير وأبو طالب، وعبد الله، وحمزة، وأبو لهب، والغيداق، والمقوم، وصفار، والعباس، وقيل: كانوا أحد عشر، فزادوا ولدا اسمه قثم، وقيل: كانوا ثلاثة عشر، فزادوا عبد الكعبة وحجلا، وقيل: إن عبد الكعبة هو المقوم، وحجلا هو الغيداق ولم يكن من أولاده رجل اسمه قثم، وأما البنات فست وهن:
أم الحكيم- وهي البيضاء- وبرة وعاتكة وصفية وأروى وأميمة «١» .