ألا إن ملاك النجاة للإنسان في الإسلام الإيمان، والعمل الصالح. أما الإيمان فهو الإيقان بالله وحده، والإيقان بأنّ رسله إنّما بعثوا لهداية البشر ودلالتهم على طريق الله، والإيقان بالملائكة الذين هم رسل الله بينه وبين من أرسل إليهم من البشر، وبالكتب التي أنزلت على الرسل، وفيها أحكام الله من الأوامر، والنواهي، والإيقان بأنّ الله يحاسب الإنسان على أعماله، ويجزيه خيرا عمّا يعمله من خير، أو شرّا عما يصدر عنه من شرّ، فهذه الخمسة هي أساس الإيمان وملاكه، والإيمان أساس العمل، ومن لا إيمان له لا ينتظر منه الخلاص فيما يصدر عنه من عمل.
والمراد بالعمل أن تكون تصرفات الإنسان صالحة، وللأعمال ثلاثة ضروب كما ذكرت في المحاضرة السابقة من هذا الكتاب «١»: الضرب الأول: (العبادات)، وهي عبارة عن تعظيم الإنسان لإلهه الذي خلقه، وعن خشوعه له وخضوعه لأوامره وإظهار افتقاره له. الضرب الثاني:
(المعاملات) وهي ما يتعاطاه الناس فيما بينهم لتبادل مصالحهم،
_________________
(١) انظر المحاضرة السابقة.
[ ٢١٨ ]
واستعمال مرافقهم، ومنها أحكام الدولة وقوانينها التي يراعيها الإنسان، ويتقيّد بها ليسود الأمن، ويعمّ السلام في البلاد، فلا يقع فيها الفساد والفوضى التي تنتهي إلى الهرج، والمرج، والهلاك، والدّمار. والضرب الثالث: (الأخلاق) وهي القيود التي توجب الآداب التقيّد بها، وإن لم تفرض على الناس بالتشريع وأحكامه القانونية، وباتباعها تطهر القلوب، وتزكو النفوس، ويرتفع مستوى المجتمع البشري، ويتقدّم في إنسانيته.
وهذه الأربعة- الإيمان، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق- هي التي تهيىء للمجتمع أسباب النجاة.
سادتي وإخواني! سامحوني إذا قلت لكم: إنّ التبتل في الدنيا، والعزلة عن المجتمع، وحبّ الخلوة عن الناس ولو لذكر الله ليست مما يحتمه الإسلام، ويدعو إليه، والإسلام نشاط دائم، وجهاد طويل، لذلك تراه يحثّ المسلمين على أن يكونوا دائما في عمل، وسعي، ونشاط، وذلك ينافي السكون الدائم، والانصراف عن الحركة والعمل وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: ٣٩] كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثّر: ٣٨]، فالعزلة عن الناس ليست من الإسلام، بل من الإسلام الإقدام في معترك الحياة، واقتحام حلبة الحركة، والزّحام لنشر دعوة الحقّ والخير، وإصلاح البشر، وبين أيديكم التأسي برسول الله ﷺ، وما كان عليه أصحابه، فإذا عملتم كما عملوا، وجاهدتم كما جاهدوا، وثابرتم على إقامة الحق، كما ثابروا؛ كنتم مسلمين حقّا، كما كانوا، وكتب الله لكم مثل الذي كتب لهم من الفلاح في الدّنيا، والنّجاة في الآخرة.
إن محمدا ﷺ لم يدع إلى مثل ما دعا إليه (بوذا) من هجر الدنيا، ومعارضة الفطرة بقمع الشهوات، ومحاولة انتزاعها من النفوس، بل دعا إلى تعديلها، وتسكين ثورتها، والحدّ من شططها، والإسراف فيها.
ولم يدع إلى مثل ما يقال عن دعوة المسيح من احتقار الثروة والقوة، بل دعا إلى تحرّي الطرق الصالحة في الحصول عليهما، وفي حسن استعمالهما.
إنما الإسلام إيمان بالحقّ، وعمل به، ولذلك تفاصيل، وفروع ومساع
[ ٢١٩ ]
متنوعة، وجهاد عظيم، وكفاح متواصل، فترك العمل عكس ما جاء به الإسلام، والدّين الذي يأمر بالفرائض لا يعقل أن يرضى بالإعراض عنها.
وإن شئتم تفصيل ذلك فاقرؤوا سيرة الرسول، وادرسوا تراجم أصحابه، أليس الله ﷿ قد وصف نبيه ﷺ بقوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا [الفتح: ٢٩] .
كان في جهاد عظيم، وكفاح مستمر، وما برح طول حياته الشريفة مختلطا بالناس متحدثا إلى أصحابه، يجالسهم، ويساكنهم، ويؤاكلهم، ويشاركهم، ويلقاهم بوجه طلق، وقلب نقيّ سليم متعلق بالله، وبما يرضى به الله، وقد تراه راكعا ساجدا لله، كما قد تراه عاملا ساعيا يبتغي الفضل من الله، ويكسب رزقه بعمله مع تعلّق قلبه بربه، لا يلهيه عن ذلك شيء رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور: ٣٧] فهو إذا ذكر الله لا يحمله ذلك على ترك الدنيا والعمل فيها، وهجر أهله وعياله، وإذا قام بعمل الدّنيا لا ينقطع مع ذلك عن ذكر الله بقلبه، وتحرّي مرضاته في كلّ ما يعمله.
ألم يأتكم نبأ المسلمين وهم يقاتلون الرّوم في بلاد الشام؟ إنّ العدو أرسل عيونا يتجسّسون له أحوال المسلمين في معسكرهم، ولما عادوا إلى قائدهم قالوا: لقد رأينا عجبا، «إنهم بالليل رهبان، وفي النّهار فرسان» «١» .
إخواني! اليوم آخر عهدي بكم في هذه المحاضرات. وكنت أحسبني قادرا على أن أصف لكم رسول الإسلام ورسالته وصفا كاملا، وإني سأوفيهما حقهما مبينا سيرة الرسول الطاهرة ومناحيها المختلفة في هذه المحاضرات الثمان، وهاهي ذي المحاضرة الثامنة قد انتهت، وفرغت الآن من إلقائها، ولكن الرسالة المحمّدية قد بقيت منها نواح لم أوفّها حقّها من البيان.
اللهمّ صلّ على محمّد وآله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
_________________
(١) قول أسير روميّ في وصف المسلمين أمام هرقل، [البداية والنهاية، ج ٧، ص ٥٢] .
[ ٢٢٠ ]
فهرس الموضوعات
مقدمة الكتاب ٥
ترجمة العلامة سيد سليمان الندوي ٩
مقدمة المؤلف ١٣
المحاضرة الأولى: سيرة الأنبياء هي الأسوة الحسنة للبشر ١٥
خصائص النبات أكثر من خصائص الجماد فواجباته أكثر، وخصائص الحيوان أكثر من خصائص النبات فواجباته أكثر، ومدارك الإنسان أرقى فواجباته أعظم ١٦
مسؤولية الإنسان بقدر مواهبه ٢٠
حكمة إرسال الله الرسل للبشر ٢٢
الفرق بين دعوة الرسل ودعاوى غيره ٢٣
خلود دعوة الرسل واضمحلال دعاوى غيرهم ٢٩
ما من طائفة من الناس أصلحت فساد المجتمع إلا الأنبياء ٣١
إن الهداية والدعوة لا تثمر وتبقى إلا بالقدوة والأسوة ٣٤
المحاضرة الثانية: السيرة المحمدية هي العامة الخالدة ٣٧
امتياز محمد ﷺ كان شاهدا ومبشرا ونذيرا ٣٨
السيرة المحمدية هي السيرة التاريخية ٤٠
سيرة متبوعي الهنادك ليست تاريخية ٤١
سيرة بوذا ليست تاريخية ٤٣
الذي نعلمه عن كونفوشيوس أقل من الذي نعلمه عن بوذا ٤٣
شكوك العلماء المحققين في كثير من سير أنبياء بني إسرائيل ٤٤
الكلام على الأناجيل من ناحية التاريخ ٤٥
ليس في أصحاب الدعوات من يمكن التأسي به إلا محمد ﷺ ٤٦
ما يمكن معرفته من أسفار التوراة عن موسى ٤٨
شؤون حياة المسيح أخفى من غيره وأغمض ٥٠
[ ٢٢١ ]
الحياة المثالية هي التي يبدأ صاحب دعوتها بنفسه فيعمل بما يدعو إليه ٥١
الحسنات السلبية والحسنات الإيجابية ٥٧
اشتراط أن تكون سيرة المتبوع تاريخية، وجامعة، وكاملة، وعملية ٥٨
المحاضرة الثالثة: السيرة المحمدية من الناحية التاريخية ٦٠
امتياز الإسلام بحفظ السيرة النبوية وتراجم الصحابة والتابعين والأئمة والمتبوعين ٦١
عناية الصحابة بحفظ الحديث النبوي وعناية التابعين والأئمة والمتبوعين ٦٢
الكلام على التابعين، وأساتذتهم من الصحابة ٦٣
المستشرقون وتشكيكهم في رواية الحديث والكلام على الحفظ والكتابة ٦٧
كتابة الحديث في العهد النبوي ٦٩
التابعون الذين دونوا الحديث ٧٩
جمع الحديث له ثلاثة أطوار ٨٠
علم نقد الحديث من جهة الدراية والفهم ٨٢
ستة مصادر لسيرة النبي ﷺ وهديه ٨٣
كتب السيرة المحمدية تعد بالألوف ٨٧
مرجليوث أشد المستشرقين تحاملا على الإسلام ٨٧
اعترافات كبار المستشرقين حول السيرة النبوية ٨٨
السيرة النبوية أوثق رواية وأكثر صحة من كل ما كتب في سيرة النبيين ٩٠
المحاضرة الرابعة: السيرة المحمدية من ناحية كمالها وتمامها وإحاطتها بشؤون الحياة البشرية ٩١
لا تكون حياة أحد كاملة إلا إذا كانت معلومة للناس، وحياة محمد ﷺ من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة التفاصيل بجميع دخائلها ٩٢
مثال من كتب الشمائل لتفاصيل ما يعرفه التاريخ عن محمد ﷺ من جليل ودقيق ٩٤
كلمتا المستشرقين الكبيرين عما يعرفه التاريخ من دخائل محمد ﷺ ٩٥
تفاصيل أخرى عما يعرفه التاريخ عنه ﷺ ٩٥
استقصاء ابن القيم في زاد المعاد كل أحوال النبي ﷺ الخاصة وشؤونه اليومية ٩٧
إباحة النبي ﷺ لأصحابه أن يذكروا عنه كل ما يعرفونه بلا تحفظ ٩٩
كان الرسول ﷺ معروف الدخائل لأعدائه أيضا، فلم ينقلوا عنه إلا خيرا ١٠١
شهادة أبي سفيان قبل إسلامه للنبي ﷺ عند هرقل ١٠٣
رجاحة عقول العرب تجعلهم لا ينخدعون في أمر الرسول فاتبعوه وهم على بينة ١٠٤
لو كتم الرسول شيئا لكتم ما في القرآن من مؤاخذته ١٠٦
[ ٢٢٢ ]
كلمات كبار المستشرقين في المقارنة بين محمد ﷺ والذين قبله ١٠٦
سنن الأمم السالفة في الأخلاق بادت ولم يبق إلا سنن الإسلام ١١٠
المسلمون لا يحتاجون من خارج دينهم إلى أصول وضوابط ١١١
المحاضرة الخامسة: السيرة المحمدية من ناحيتها الجامعة ١١٣
الأديان الآخرى تتحرى أقوال أنبيائها والمسلمون يتحرون أعمال نبيهم ١١٤
حياة محمد ﷺ جمعت ما تفرق في الأنبياء مما امتازوا به ١١٦
انتباه أحد البراهمة لهذه الناحية من الحياة المحمدية ١١٩
ما أعطى الله الرسل جميعا متفرقين قد أوتيه محمد ﷺ وحده ١٢٣
مقارنات بين النبي ﷺ وإخوانه الأنبياء ١٢٤
مدرسة محمد ﷺ كانت جامعة للطوائف وعامة للأمم ١٢٨
استعراض نماذج من تلاميذ مدرسة محمد ﷺ ١٣١
إن العالم لا تتم هدايته إلا بالمصلح الأخير للدنيا ١٤٥
المحاضرة السادسة: الناحية العملية من السيرة المحمدية ١٤٦
كيف نتبع الرسول وفيم نتبعه؟ ١٤٧
مقارنة بين نتائج عظة جبل الزيتون، ونتائج دعوة جبل الصفا ١٤٨
ما شهد به لمحمد ﷺ أقرب الناس إليه وأعرفهم به ١٥١
كان ﷺ أول من يعمل بما يأمر الناس به ١٥٣
مقارنة بين عظة «أحبوا أعدءكم» ومعاملة النبي ﷺ لأعدائه ١٦٤
مقارنة بينه ﷺ وبين الأنبياء من آدم إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام ١٧٥
المحاضرة السابعة: رسالة رسول الإسلام إلى جميع الأنام ١٧٧
ما هي السيرة الكاملة الجامعة في الرسول، وماذا بلغ عن ربه ١٧٨
كفالة الله حفظ الرسالة المحمدية لأنها رسالة الحاضر والمستقبل ١٧٩
الإسلام أول رسالة عامة في تاريخ الإنسانية ١٨٠
الدين إيمان وعمل، ولم يجتمعا إلا في الإسلام ١٨٢
مقارنات بين رسالة الإسلام والرسالات الآخرى ١٨٣
مقارنة بين الوصايا العشر والآيات من سورة الإسراء ١٨٣
عناية الشرع المحمدي بكرامة الجنس البشري ومكانته من سائر المخلوقات ١٨٨
الرسالة المحمدية عرفت الناس بأقدارهم وأنزلتهم منازلهم ١٩٠
الإسلام وحقيقة التوحيد ١٩١
فطرة الإنسان في الإسلام بريئة في الأصل ولم يولد آثما ١٩٣
[ ٢٢٣ ]
الدين والفطرة كلمتان لمدلول واحد ١٩٣
الناس سواسية في الإسلام، والدنيا كلها لله وحده ١٩٤
الإسلام سوى بين جميع الأنبياء ودعا إلى الإيمان بهم جميعا ١٩٥
دين الله بين الذين غلو في الأنبياء والذين فرّطوا فيهم ١٩٧
المحاضرة الثامنة: السيرة المحمدية من الناحية العملية ٢٠٠
فساد الأديان السابقة بسبب التشبيه وتجسيم الصفات الإلهية ٢٠١
فساد الأديان بسبب فصل الصفات الإلهية عن الذات ٢٠٤
فساد الأديان بسبب تعديد أهلها الفاعل بتعدد أفعاله ٢٠٦
منشأ الخير والشر حسن استعمال الأمور أو سوء استعمالها ٢٠٧
الهدى والضلال بما كسبت أيدي الناس ٢٠٨
تعبد الضالين بتعذيبهم أنفسهم ٢٠٩
التضحية والأضاحي والقربان ٢١٢
النفوس ملك لله، فليس للإنسان أن ينتحر أو يحدد النسل ٢١٣
قضاء الإسلام على نظام الطبقات، وعلى التفاضل بالمال والنسب واللون ٢١٤
من أعظم الجرائم فصل الدين عن الدنيا ٢١٧
الإسلام إيمان بالحق وعمل به ٢١٨
فهرس الموضوعات ٢٢٢
[ ٢٢٤ ]