وقد علمت مما سلف أنّ الإسلام فرض على كلّ من دخل فيه أن يؤمن بجميع أنبياء الله، ورسله، وبالكتب السّماوية؛ التي أوحى الله بها من قديم الزمان، وليس بمسلم من لم يؤمن بالأنبياء كلّهم، وبالكتب المنزلة على الرسل المبعوثين من قبل، فالرّسل الذين سمّاهم الله في القرآن يجب على المسلم أن يؤمن بهم إيمان تفصيل، والذين لم تذكر أسماؤهم يؤمن المسلم بهم إيمان إجمال بأنهم كانوا صادقين، هداة للبشر، وكانوا ينابيع الخير
[ ١٩٥ ]
والحكمة، وقد وصف الله المسلمين بأنّهم وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: ٤]، وفي موضع آخر من البقرة وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: ١٧٧]، وفي سورة البقرة أيضا: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] فليس للمسلم أن يؤمن ببعض الرسل، ويكفر ببعض، وقد خاطب الله المسلمين جميعا بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء: ١٣٦] .
سادتي! هل تعلمون أحدا علّم مثل هذا التعليم فسوّى بين الهداة من جميع الملل والنحل في إعظامهم، وإكرامهم، والأدب معهم، والاعتراف بجميلهم، وتصديقهم فيما دعوا إليه من حق؟ وأين ترون مثل هذه الرّوحانية العامّة، والإخاء الشامل؟ أجيبوني بصدق: أليس رسول الإسلام رحمة للعالمين، حيث علّم الناس كيف يرعون شرف الهداة، وعظمة حملة الرّسالات الإلهية، فعمّت دعوته، واتّسعت رحمته حتى نال كلّ شعب من شعوب البشر، وكلّ أسرة من أسرهم نصيبا من ذلك، ولقد اتخذ المتدينون بجميع الدّيانات وسائط ووسائل بينهم وبين الله، معتقدين أنّهم لا يصلون إلى الله المعبود إلا أن يتوسط بينهم من زعموه أهلا لذلك، فكانت السّدنة وخدمة المعابد وسائط الناس إلى الله في قديم الزّمان، وحتى اليهود اتخذوا من سبط لاوي، ومن تناسل منه شفعاء بينهم وبين ربهم، والنصارى جعلوا بعض الحواريين، وخلفائهم من الرّهبان والقسيسين وسائل يتوسلون بهم إلى الله، وقد غلوا في رفع مراتبهم، حتى بلغوا بهم مبلغا لم يبلغه مقرّب عند الله، فزعموا أن ما يربطه هؤلاء الشفعاء في الأرض؛ فهو مربوط في السّماء، وما حلّوه في الأرض؛ فهو محلول في السماء، وأنّ لهم أن يغفروا للناس خطاياهم، ويسقطوا عنهم آثامهم، وأنّ العبادة لا تقبل عند الله إلا بوساطتهم، وكذلك براهمة الهند زعموا أنّهم مخلوقون من يمين الله، وأنهم الوسائط بين الخلق والخالق، وأنّ العبادة الهندوكية لا تقبل إلا بهم، وعلى أيديهم، أما الإسلام فلا يعترف بطائفة
[ ١٩٦ ]
خاصّة من سدنة المعابد، وخدّام المساجد، وأحبار الدّين، وليس في الإسلام رهبانية، ولا يرضى أن تكون فيه فئة تتخذ الدّين مهنة، ومصدر رزق، وليس لأحد أن يعطي، أو يمنع، وما بيد أحد شيء من أمر الحلّ والعقد، بل كلّ ذلك بيد الله، فهو الذي يغفر الذنوب وحده، وليس بين العبد ومعبوده والمخلوق وخالقه أيّ تدخّل لأحد في عبادة الله ومناجاته، ولكلّ مسلم أن يصلي بالناس، وأن يؤمّهم، وأن يذبح أضحيته بيده، وأن يعقد النكاح، ويقوم بجميع أمور الإسلام وأوامره، والإسلام يعلّم أتباعه قول الله ﷿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] وأنّه يجيب دعوة الدّاعين مباشرة، وبلا واسطة، فكلّ مسلم يدعو ربه متى شاء، ويناجيه، ويبثّه حزنه، ويشكو إليه ضرّه بلا أيّ واسطة، فالمسلم هو قسيس نفسه، وهو برهميها حين يعبد ربّه متحرزا من قيود البراهمة والقسيسين.