ولد الزهريّ سنة ٥٠ للهجرة وتوفي سنة ١٢٤ هـ، وهو قرشيّ نسبا، وقد بذل جهده في جمع الروايات عن سيرة النبي ﷺ، وهديه، وأحاديثه حتى لقي في طلب العلم عناء ونصبا، كما يدل عليه قول المؤرخين: إنّه كان يطوف على بيوت الأنصار في المدينة، ويغشى كلّ بيت منها، ويسأل عن أحاديث النبي ﷺ، وهديه، وسيرته كلّ من يلقاه من نساء، ورجال، وشيوخ، وشباب، حتى كان يسأل العواتق في خدورهن عن أحوال النبيّ ﷺ، وأقواله، ويكتبه «٢»، وكان لا يزال بعض الصحابة أحياء في حياة الزهري. ثم تلقّى عن الزهري كثير من تلاميذه العلماء، ويبلغ عددهم المئات، ولم يكن لهم شغل إلا جمع الأحاديث، وأقوال الصحابة، وتعليم الأمّة الإسلاميّة الدّين، ونشر السنّة، وقد انقطعوا كلّهم لهذا العمل، وفرّغوا أنفسهم له.
ومن أعظم الخطأ في تاريخ تدوين الحديث دعوى بعض الناس أنه بدأ بعد المئة، وذلك تبعا لخطئهم في تحديد زمن التابعين. فإنّه لمّا بلغهم أنّ التدوين بدأ في عهد التابعين، وهم يعلمون أنّ بعض الصحابة امتد بهم العمر إلى أواخر المئة الأولى للهجرة، ظنّوا أنّ عهد التابعين يبدأ بعد انقضاء زمن الصحابة، فذهبوا إلى أنّ التدوين بدأ بعد المئة، وهذا كله خطأ. والحقّ أنّ عنوان «التابعين» يطلق على الذين لم يدركوا النبي ﷺ، أو
_________________
(١) طبقات ابن سعد (٢/ ٢: ١٣٥) .
(٢) انظر ترجمة الزهري في تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني.
[ ٧٩ ]
ولدوا في أواخر عهده فلم يروه، وإنما رأوا أصحابه، وأخذوا عنهم، وعلى أقل تقدير يعدّ تابعيا من ولد بعد وفاة النبي ﷺ (ربيع الأول سنة ١١)، وأعمال التابعين التي تنسب إليهم يبدأ عهدها من سنة ١١ هـ، وليس من المحتم ألا ينسب إلى التابعين إلا ما صدر عنهم بعد وفاة آخر الصحابة بقاء على قيد الحياة، فاخر الصحابة بقاء على قيد الحياة امتدّ زمنه إلى أواخر المئة الأولى للهجرة، وأعمال التابعين- ومنها البدء بتدوين الحديث- ينبغي أن تنسب إلى زمنهم الذي بدأ من بعد سنة ١١ هـ التي انتقل فيها النبيّ ﷺ إلى الرّفيق الأعلى.