وإنّ رسول الله الذي يتحرّك لسانه بالوحي، ويصدر منطقه عن إلهام، قد جعل الدّين والفطرة بمعنى واحد، أي: إنهما كلمتان لمعنى واحد،
_________________
(١) الجبلة: الخلقة.
(٢) أمشاج (جمع: مشج): أخلاط ممتزجة متباينة الصّفات.
[ ١٩٣ ]
فأصل الفطرة هي الدين الذي دعي الإنسان إليه، والإثم عارض يعرض للإنسان، ولا حق يطرأ عليه، ويقول الله ﷿: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم: ٣٠] . وفد فسّر الرسول هذه الآيات فيما رواه البخاري في تفسير سورة الروم من صحيحه، فقال ﷺ:
«ما من مولود يولد إلّا على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تنتج كلّ بهيمة صحيحة سليمة هل ترون فيها سكاء» «١» .
إنّ البشرى التي بشّر بها الرسول ﷺ بني آدم أنّ كل إنسان مختار فيما يفعله، غير مكره عليه، ولا مجبر، وليست حياته الحاضرة نتيجة لحياته الماضية، فمن آمن بالرسول؛ فقد تغيّرت وجهة نظره إلى أعماله، فلا هو كئيب واجم ظنّا منه بأنه مكره على عمل هو استمرار لحياة سالفة.
فكلّ من آمن بالرسالة المحمّدية أصبح بفضلها حرّا طليقا من الأوهام الباطلة، والعقائد الفاسدة؛ التي قيّدت حياة البشر، وغلّت أيديهم.