أما التابعون الذين هم تلاميذ الصحابة؛ فيبدأ تاريخ طبقتهم من السنة الأولى للهجرة، ومنهم من ولد في عهد النّبيّ ﷺ لكنه لم يتشرّف برؤيته، أو كان في العهد النّبويّ صغير السن فلم يحظ بالصحبة، ولم يقدّر له أن ينال قبسا من مشكاة النبوة، كعبد الرحمن بن الحارث «٣» المولود سنة ٣ هـ، وقيس بن أبي حازم «٤» المولود سنة ٤ هـ، وسعيد بن المسيب «٥» المولود سنة ١٤ هـ. وهؤلاء التابعون الذين ينزلون المنزلة الثانية بعد
_________________
(١) هو السائب بن يزيد بن سعيد الكندي، مولده قبل السنة الأولى من الهجرة، وكان مع النبي ﷺ يوم حجّ النبي ﷺ حجة الوداع، واستعمله سيدنا عمر ﵁ على سوق المدينة، وهو آخر من مات من الصحابة- رضوان الله عليهم- بالمدينة، وعنه اثنان وعشرون حديثا مرويا.
(٢) هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، مولده بالمدينة المنورة، أسلم صغيرا وخدم النبي ﷺ إلى وفاته، ثم رحل إلى دمشق ومنها إلى البصرة، وهو آخر من مات من الصحابة رضوان الله عليهم- بالبصرة، وعنه ألفان ومئتان وستة وثمانون حديثا مرويا.
(٣) هو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي القرشي المدني، كان من ثقات التابعين، ومن أشراف قريش، وهو أحد الأربعة الّذين عهد إليهم سيدنا عثمان ﵁- بنسخ المصاحف توفي بالمدينة عام ٤٣ هـ.
(٤) هو قيس بن عبد عوف بن الحارث الأحمسي البجلي، تابعي جليل، أدرك الجاهلية، ورحل إلى النبي ﷺ ليبايعه، فقبض ﷺ وهو في الطريق، روى عن الأصحاب العشرة، وهو أجود الناس إسنادا، توفي عام ٨٤ هـ.
(٥) هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع، وكان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته، توفي بالمدينة عام ٩٤ هـ.
[ ٦٣ ]
الصحابة في نشر الإسلام وتبليغ دعوته، وقد حملوا الرسالة المحمدية إلى الأنحاء النائية، والبلاد المترامية الأطراف، ولم يكن لهم همّ في الدنيا إلا حفظ الدين، ونشر أحكامه، وتبليغ الإسلام، وتعميم سننه وآدابه، والتعريف بسيرة الرسول ﷺ وهديه. وقد ذكر ابن سعد «١» في الطبقات ١٣٩ من التابعين أهل الطبقة الأولى الذين كانوا في المدينة، وأدركوا كبار الصحابة، وسمعوا منهم أحاديث النبي ﷺ، ورووها عنهم. وذكر ١٢٩ من الطبقة الثانية الذين لقوا عامّة الصحابة، ورووا عنهم، أما الطبقة الثالثة من التابعين فهم الذين حظي الواحد منهم برؤية صحابي واحد، أو عدّة من الصحابة، وعدد هؤلاء ٨٧، فمجموع عدد التابعين ٣٥٥ في مدينة واحدة وهي مدينة الرسول ﷺ، فقيسوا على ذلك عدد الذين أخذوا عن الصحابة في بقية المدن الإسلامية التي انتشر الصحابة فيها من مكة إلى الطائف، والبصرة، والكوفة، ودمشق، واليمن، ومصر، وغيرها. وهؤلاء- كما علمتم- لم يكن لهم همّ إلا نشر رسالة الإسلام، وتبليغ أقوال النبي ﷺ، وهديه، وسيرته. وانظروا إلى اهتمام المؤرخين باستيعابهم، واستقصاء أحوالهم في إحصاء الأحاديث المروية عن الصحابة. وإليكم أسماء بعض الصحابة الذين امتازوا بكثرة ما يحفظونه من الحديث النبويّ، وعدد ما روي عنهم منه: