سادتي! إنّ بعض المستشرقين ودعاة المسيحية- وفي مقدمتهم السر وليم ميوروغولد زيهير- أرادوا أن يشكّكوا الناس في رواية الحديث بما
_________________
(١) - ورعا واحتراما لحديث الرسول ﷺ، ومن هذا ما رواه عمرو بن ميمون قال: «ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه، قال: فما سمعته يقول بشيء قط «قال رسول الله ﷺ» فلما كان ذات عشية قال: «قال رسول الله ﷺ» قال: فنكس، قال: فنظرت إليه، فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبا من ذلك، أو شبيها بذلك» (سنن ابن ماجه، ص ٨- الجزء الأول) .
(٢) وقد غفل عن هذا بعض من تصدر للحديث من العصريين حيث عزا أحاديث كثيرة إلى مصادرها بغير لفظها، زاعما أنها «ليست قرآنا نتعبد بلفظه !» . ينبغي لمن يروي حديثا بالمعنى أن يراعي جانب الاحتياط وذلك بأن يتبعه بعبارة: «أو كما قال» أو «نحو هذا» وما أشبه ذلك من الألفاظ، فعل ذلك ابن مسعود، وأنس وأبو الدرداء، وغيرهم ﵃. (منهج النقد في علوم الحديث) للأستاذ الدكتور نور الدين عتر- حفظه الله تعالى ونفع به- ص: ٢٢٨- ٢٢٩ طبعة دار الفكر، (دمشق) .
[ ٦٧ ]
زعموه من أنّ تدوين السنّة بدأ بعد وفاة النبي ﷺ بتسعين سنة، وقد ذكرت لكم فيما سلف كيف كان الصحابة والتابعون يعنون بالأحاديث، ويحفظونها، ويحتاطون في روايتها حتى لا يبقى مجال للشكّ في صحتها وصدقها.
والذي دعا الصحابة إلى ألايقيدوا الأحاديث بالكتابة ثلاثة أمور:
أولها: أنّ رسول الله ﷺ نهاهم في بداية الأمر عن أن يكتبوا عنه غير القرآن؛ لكيلا يلتبس القرآن بغيره، فلما حفظ القرآن، فصار معروفا، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ أذن للصحابة بأن يكتبوا ما يسمعون منه، ومع ذلك بقي الصحابة يحتاطون في ذلك احتياطا شديدا، وكان معظمهم يتحرّجون في كتابة الحديث.
وثانيها: أن الصحابة كانوا يخشون أن يعتمد الناس في الحديث على الكتابة، فيقصّرون في حفظها وتدبّرها مرتكنين على أنّها مكتوبة عندهم، ويمكنهم الرجوع إليها عند الحاجة، وقد وقع الذي ظنوه، فإنه كلّما ازداد الاهتمام بالكتابة والتدوين قلّت العناية بالحفظ، وكذلك كان الصحابة يخشون أن يدّعي كلّ من تكون الأحاديث المكتوبة في متناول يده بأنه عالم، وقد وقع ما كانوا يحذرون.
وثالثها: أنّ العرب كانوا يعدون الاعتماد على الكتابة اعترافا بنقص مواهبهم، وضعف حفظهم، وفي ذلك غضّ من شرفهم، فكانوا يعتمدون على حفظهم، وإذا كتبوا شيئا ممّا يحفظون كتموا أمره.
كان المحدّثون يرون أنّ الحفظ في الصدور أصون من التدوين في السّطور؛ لأنّ ما يتناقله الناسخون بالكتابة معرّض للتّحريف، وأما ما يتلقّاه الحافظون الضابطون عن الحافظين الضابطين؛ فإنه لا يتطرّق إليه الخطأ، ولا يصيبه أيّ تحريف.
وإني لأكشف القناع لأول مرة في ناديكم هذا بأن من زعم أنّ الأحاديث النبوية لم تدوّن إلى مئة سنة أو تسعين سنة قد أخطأ، والتاريخ يعارضه، والسبب في هذا الخطأ ظنهم أنّ أول كتاب في الحديث النبوي كتاب الموطأ
[ ٦٨ ]
لمالك بن أنس، وأول كتاب في السيرة كتاب المغازي لابن إسحاق «١»، وهذان الإمامان الجليلان كانا متعاصرين، وتوفي الأول سنة ١٧٩ هـ والثاني سنة ١٥١ هـ، فاعتبروا العقود الأولى من القرن الثاني بداية تدوين الأخبار والسير، والأمر ليس كذلك، فإن بواكير التدوين ابتدأت قبل ذلك بكثير، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة ١٠١ هـ عالما جليلا ولي إمارة المدينة، ثم استخلف سنة ٩٩ هـ، وقد عهد إلى القاضي أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم «٢» - الذي كان إماما في الحديث والخبر- أن يبدأ في تدوين سنن النبي ﷺ وأخباره؛ لأنه خاف على العلم أن يرفع شيئا فشيئا وخاف درس العلم وعفاءه «٣»، وقد ذكر هذا في تعليقات البخاري والموطأ لمالك والمسند للدّارمي. فقام بذلك أبو بكر بن حزم، وكتبت الأحاديث والأخبار والسنن في القراطيس، وأرسلت إلى دار الخلافة بدمشق، ونسخت في الصّحف والكتب، وبعث بها إلى البلاد الإسلامية، وكبريات المدن يومئذ. فأبو بكر هذا الذي علمتم مكانته من العلم والفضل وكان قاضيا بالمدينة المنورة، هو الذي اختاره عمر بن عبد العزيز لهذا العمل الجليل، لعلمه، وفضله، ولأنّ خالته عمرة كانت من كبريات تلاميذ أمّ المؤمنين عائشة، وكان ما روته خالته عمرة عن أمّ المؤمنين عائشة محفوظا عنده، فأوعز إليه عمر بن عبد العزيز بتدوين مرويات خالته، وقد اختصّها بالذكر في كتابه إليه.