إنّ الدنيا قبل بعثة رسول الإسلام ﷺ توزعتها عقائد باطلة، وأوهام سخيفة، فكان أهل كل دير في مملكة من الممالك يحسبون أنّ مملكتهم هي الدّنيا كلّها، فكان براهمة الهند، ومتصوفوها يرون أنّ بلادهم هي أرض الله الممتازة، وما خرج عنها لا نصيب له من رحمة الله، لأنّ الله لا يريد الخير إلا لقطّان بلادهم، وأمر الرسالة الإلهية، والهداية الربانية، قد اختصّ به بعض البيوتات من سدنة المعابد، لا يعدوهم أبدا، وكذلك فإن زردشت يحسب أنّ الإله إنما يعنى بأمر بلاده المقدسة وحدها، وبأهل وطنه الأخيار، ولا تعنيه بلاد أخرى، ولا أمّة أخرى،
_________________
(١) روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: «مامن مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها جدعاء؟» ثم يقول أبو هريرة﵁- فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الروم: ٣٠] [البخاري (١٣٥٨)] .
[ ١٩٤ ]
وبنو إسرائيل يظنّون أنّ رسالات الله خاصّة ببعض أسباطهم، وأنها حقّهم الموروث.
أما الإسلام؛ فقد وسّع على الإنسانية ما ضيّقه الآخرون، وأعلن أنّ الناس كلّهم سواسية، وأنّ دعوة الله غير مخصوصة ببلاد دون أخرى، فمشرق الدّنيا، ومغربها، وشمالها، وجنوبها، وفلسطين، وفارس، والهند، كلّ قد خلا فيها رسول أو نبيّ، وأنّ الله تعالى تستوي عنده الأمم، واللّغات في بعثة الأنبياء، فشمس النبوة أشرقت على البشر جميعا، وتلألأت فيهم أنوار الرسالة وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] .
وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: ٧] لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ
[الروم: ٤٧] فاليهود لا يؤمنون بنبيّ ليس منهم، والنّصارى لا يوجبون على أنفسهم الإيمان بنبيّ من بني إسرائيل أو غيرهم، ولا يرون إذا لم يؤمنوا ببعض الأنبياء أنّ ذلك يخلّ بشيء من دينهم، وكذلك الهنادك لا يعتقدون بأنّ الإلهام الإلهيّ، والوحي الربّانيّ نزل على بلاد غير بلادهم، وهكذا شأن المجوس أتباع زردشت فإنّهم يذهبون إلى أنّ الدّنيا كلّها مظلمة سوداء، فلا نور إلا ببلادهم بلاد النّار.
وأنّ سكانها أجمعين من خلق الله، وأنّ الأقوام على اختلافها سواسية في نعمه وآلائه، وكلّهم نالوا نصيبا من دعوته وحظا من رحمته، وما من بلاد عمرتها أمة إلا وقد أضاء فيها نور من هداية الله، وبعث فيها نبيّ دعاها إلى الحق، وبلّغها أوامر الله، ونواهيه.