إنّ أعظم الناس لا يأذن لزوجه- وإن كانت له زوج واحدة- بأن تحدّث الناس عن جميع ما تراه من حليلها، وأن تعلن كلّ ما شاهدته من أحواله، لكنّ رسول الله كانت له في وقت واحد تسع زوجات، وكانت كلّ منهن في
_________________
(١) فولتير، (Voltaire) من كبار المؤلفين الفرنسيين، كتب في الشعر، والتاريخ، والمسرح، والمراسلة، والفلسفة، وأجاد في أكثرها، ومن مؤلفاته المشهورة «محمّد» و«زئير» و«كنديد» و«شارك ١٢» . مات سنة ١٧٧٨ م.
(٢) أحد كبار المستشرقين، وله كتب قيمة في التاريخ، ومن أشهرها The History of Decline and Fall of the Roman Empire.:
[ ٩٥ ]
إذن من الرسول بأن تقول عنه للناس كلّ ما تراه منه في خلواته، وهن في حلّ من أن يخبرن الناس في وضح النهار كلّ ما رأين منه في ظلمة الليل، وأن يتحدّثن في الساحات، والمجامع بما يشاهدن منه في الحجرات، فهل عرفت الدّنيا رجلا كهذا الرجل يثق بنفسه كلّ هذه الثقة، ويعتمد عليها إلى هذا الحد، ولا يخاف قالة السّوء عنه من أحد؛ لأنه أبعد الناس عن السوء.
هذا ما يتعلق بذات الرسول، وأما ما تحلّت به نفسه من دماثة الخلق، ورجاحة العقل، وحصافة الرأي، وكرم النفس، وعلوّ الهمّة، ورحابة الصدر، فإنّ كتب الحديث ملأى بتفاصيله. وأحسن كتاب في ذلك كتاب (الشفا) للقاضي عياض الأندلسي. وقد قال لي يوما وأنا في فرنسا مستشرق اسمه ماسنيون «١»: يكفي لتعرف أوربا محاسن رسول الله محمد ﷺ ومحامده أن ينقل كتاب (الشفا) للقاضي عياض إلى إحدى اللغات الأوربية.
إنني بوّبت في الجزء الثاني من السيرة «٢» عند ذكر شمائله ﷺ هذه الأمور: خلق رسول الله ﷺ، وحليته، وخاتم النبوة، وشعره، ومشيته، وكلامه، وضحكه، وتبسمه، ولباسه، وخاتمه، ومغفره، ودرعه، وطعامه، وصفة أكله، وسنن طعامه، وشارته، واللون المحبب إليه، واللون الذي كان يرغب عنه، وتعطره، وحبه للنظافة والطهارة، وركوبه.
وذكرت في أشغاله: ما كان يعمله في نهاره من الصباح إلى المساء، ثم نومه، وتهجّده، ووظائفه في الصلوات، وأسلوب خطبته، وأعماله في السفر، وأعماله في الجهاد، وسنته في عيادة المرضى، وتعزيته أهل الميت، وسنته في لقاء الناس، وعامة أشغاله. وإليكم ما ذكرت عن مجلسه ﷺ: مجالس الإرشاد، آداب المجلس، أوقات جلوسه مع الناس، مجالسه الخاصة بالنساء، طريقة هديه وإرشاده، لقاؤه الناس بالبشاشة والبشر، تأثير صحبته فيمن يصحبه، وأسلوب كلامه معهم،
_________________
(١) ماسنيون (Massignon) مستشرق فرنسي، عني بالصّوفية، واهتمّ بنشر مؤلفات الحلّاج، وله مؤلفات في الشؤون الإسلاميّة، مات سنة ١٩٦٢ م.
(٢) أراد المحاضر كتابه في السيرة النبوية بالأردوية.
[ ٩٦ ]
وأنواع خطبه النبوية، وأثرها في السامعين. ومن العناوين التي وردت فيما ذكرته عن عبادته: دعاؤه، صلاته، صومه، زكاته وصدقاته، حجّه، مداومته ذكر الله، ذكره الله ﷿ في مواقف القتال، خشيته من الله، بكاؤه، محبته لله، توكله عليه، صبره، شكره لمفيض النعم ﷻ.
ومما جاء في كتابي المذكور عن أخلاقه ﷺ: أخلاقه بالتفصيل، مواظبته على العلم، مكارم أخلاقه، حسن معاملته للناس، عدله، جوده وكرمه، إيثاره، ضيافته وقراه، كراهته سؤال الناس، إباؤه لأموال الصدقة، قبوله الهدية، ترفعه عن فضل الغير ومنته، تنزهه عن الفظاظة، وموقفه من التقشف، وكرهه للهجاء والمدح، والتزامه عدم التكلف في الحياة، وبعده عن التأنق في المشرب والمأكل، اجتنابه الرياء والخيلاء، مساواته، تواضعه، كرهه للمبالغة في التعظيم والإطراء، حياؤه، عمله بيده، عزيمته، شجاعته، صدقه في القول، وفاؤه بالوعد، زهده في الدّنيا، قناعته، حلمه، عفوه عن الناس، صفحه عن أعدائه، إحسانه إليهم، معاملته للكافرين والمشركين، معاملته لليهود والنصارى، حبّه الفقراء والمساكين، عفوه عن أشد أعدائه، دعاؤه لأعدائه بالخير، شفقته على الصبيان، معاملته للنساء، رحمته بالحيوان، ما فطر عليه من الرحمة والمحبة بوجه عام، لين قلبه ورقته، عيادته للمرضى، سجاحة خلقه، ودماثته، محبّته لأولاده، معاشرته لأزواجه الطاهرات، هديه في المراسلة، معالجته لأمراض النفس وأمراض البدن.