وهكذا المرء في كلّ خلّة من خلال العزيمة، والشجاعة، والشكر، والتوكل، والرّضا بالقدر، والصبر على النوائب، والتضحية، والقناعة، والاستغناء، والإيثار، والجود، والتواضع، والمسكنة، وسائر ما يطرأ
[ ١١٦ ]
على البشر في منفسح حياتهم، ومدى عيشهم، وما ربما يعتري هذه الخصال في ساعات مختلفة من مضطرب حياة الإنسان؛ فإنه يحتاج في كل ذلك إلى أسوة، وهداية ممّن سبق له العمل بذلك، وأنّى لنا هذه الأسوة الكاملة والهداية التامة إلا في حياة محمّد رسول الله ﷺ.
إنّ حياة موسى ﵇ تمثّل لنا القوة البشرية العظيمة، والبطش الشديد، ولكنّنا لا نعرف في المأثور عنه ما تكون لنا فيه الأسوة من ناحية دماثة الخلق، وخفض الجناح، وسجاحة النفس، وسماحتها.
وفيما نعرفه من حياة المسيح نماذج لسماحة النفس، ورقّة الطبع، ودماثة الخلق، ولين الجانب، لكننا لا نجد فيما وصل إلينا من أخلاقه وأعماله تفاصيل عن شؤون حياته، وأسرته، تحرّك ساكن القوى، وتثير كوامن النفس، وتنبه القوى المتراخية. والإنسان في حياته محتاج إلى هذا وهذا، فكما يحتاج إلى ما يهدىء ثائر قواه، ويسكن جائشها، يحتاج كذلك إلى ما يثير الكامن من هذه القوى، ويهيج ساكنها، وينبه المتراخي منها. إنّه في حاجة إلى حياة يتّخذها قدوة له في هاتين الحالتين المختلفتين، على أن يكون بيد صاحبها ميزان العدل بالقسط تستوي كفّتاه، ولن تجد الجمع بين هاتين الخصلتين المختلفتين جمعا قويما عزيز الوجود إلا في حياة محمّد ﷺ، فإنه هو الذي مثلت حياته أعمالا كثيرة متنوعة، بحيث تكون فيها الأسوة الصّالحة، والمنهج الأعلى للحياة الإنسانيّة في جميع أطوارها؛ لأنها جمعت بين الأخلاق العالية، والعادات الحسنة، والعواطف النبيلة المعتدلة، والنوازع العظيمة القويمة.
إذا كنت غنيّا مثريا؛ فاقتد بالرسول ﷺ عند ما كان تاجرا يسير بسلعه بين الحجاز والشام، وحين ملك خزائن البحرين. وإن كنت فقيرا معدما؛ فلتكن لك أسوة به وهو محصور في شعب أبي طالب، وحين قدم إلى المدينة مهاجرا إليها من وطنه، وهو لا يحمل من حطام الدّنيا شيئا. وإن كنت ملكا؛ فاقتد بسننه وأعماله حين ملك أمر العرب، وغلب على آفاقهم، ودان لطاعته عظاماؤهم، وذوو أحلامهم. وإن كنت رعيّة ضعيفا؛
[ ١١٧ ]
فلك في رسول الله أسوة حسنة أيام كان محكوما بمكة في نظام المشركين.
وإن كنت فاتحا غالبا؛ فلك من حياته نصيب أيام ظفره بعدوّه في بدر، وحنين، ومكة. وإن كنت منهزما- لا قدر الله ذلك- فاعتبر به في يوم أحد وهو بين أصحابه القتلى، ورفقائه المثخنين بالجراح. وإن كنت معلّما؛ فانظر إليه وهو يعلّم أصحابه في صفّة المسجد. وإن كنت تلميذا متعلّما؛ فتصور مقعده بين يدي الروح الأمين جاثيا مسترشدا. وإن كنت واعظا ناصحا ومرشدا أمينا؛ فاستمع إليه وهو يعظ الناس على أعواد المسجد النّبوي. وإن أردت أن تقيم الحقّ، وتصدع بالمعروف، وأنت لا ناصر لك، ولا معين؛ فانظر إليه وهو ضعيف بمكّة، لا ناصر ينصره، ولا معين يعينه، ومع ذلك فهو يدعو إلى الحقّ، ويعلن به. وإن هزمت عدوّك وخضدت شوكته، وقهرت عناده، فظهر الحقّ على يدك، وزهق الباطل، واستتب لك الأمر؛ فانظر إلى النبيّ ﷺ يوم دخل مكة، وفتحها. وإن أردت أن تصلح أمورك، وتقوم على ضياعك؛ فانظر إليه ﷺ وقد ملك ضياع بني النضير، وخيبر، وفدك؛ كيف دبّر أمورها، وأصلح شؤونها، وفوضها إلى من أحسن القيام عليها. وإن كنت يتيما؛ فانظر إلى فلذة كبد آمنة وزوجها عبد الله وقد توفيا وابنهما صغير رضيع. وإن كنت صغير السنّ؛ فانظر إلى ذلك الوليد العظيم حين أرضعته مرضعته الحنون حليمة السعدية.
وإن كنت شابا؛ فاقرأ سير راعي مكّة. وإن كنت تاجرا مسافرا بالبضائع؛ فلاحظ شؤون سيد القافلة التي قصدت بصرى. وإن كنت قاضيا، أو حكما؛ فانظر إلى الحكم الذي قصد الكعبة قبل بزوع الشمس ليضع الحجر الأسود في محله، وقد كاد رؤساء مكة يقتتلون، ثم ارجع البصر إليه مرّة أخرى، وهو في فناء مسجد المدينة يقضي بين الناس بالعدل، يستوي عنده منهم الفقير المعدم، والغنيّ المثري. وإن كنت زوجا؛ فاقرأ السيرة الطاهرة، والحياة النزيهة لزوج خديجة، وعائشة. وإن كنت أبا أولاد؛ فتعلم ما كان عليه والد فاطمة الزهراء، وجدّ الحسن والحسين. وأيا من كنت، وفي أيّ شأن كان شأنك، فإنّك مهما أصبحت، أو أمسيت، وعلى أيّ حال بتّ، أو أضحيت؛ فلك في حياة محمّد ﷺ هداية حسنة وقدوة
[ ١١٨ ]
صالحة تضيء لك بنورها دياجي الحياة، وينجلي لك بضوئها ظلام العيش، فتصلح ما اضطرب من أمورك، وتثقف بهديه أودك، وتقوّم بسنته عوجك. وإنّ السيرة الطيبة الجامعة لشتّى الأمور هي ملاك الأخلاق، وجماع التعاليم لشعوب الأرض، وللناس كافّة في أطوار الحياة كلّها، وأحوال الناس على اختلافها، وتنوّعها. فالسيرة المحمدية نور للمستنير، وهديها نبراس للمستهدي، وإرشادها ملجأ لكلّ مسترشد.