إنّ الصفوة المختارة من أهل الطبقة العليا في البشر هم الذين يحكمون القلوب، وتنقاد لسيادتهم النفوس. وأين هؤلاء من الملوك الذين يحكمون الجسوم، ويملكون الأبدان، ويستولون على البلاد؟ أولئك تجري أوامرهم، وتنفذ أحكامهم حيث تخفق القلوب، وإذا كانوا لا يملكون الأسلحة التي يملكها الملوك وأمراء الأجناد، فإنهم يطهّرون الأنفس من آثامها، ويستأصلون الجرائم قبل وقوعها، حيث يجتثون من القلوب جذور الشرور.
وإذا لم يكن لهم ما للشعراء من أناشيد يتغنّى الناس بها؛ فإن الأمم لا تزال تستحلي كلامهم العذب، وتستعذب حديثهم الحلو. لا ريب أنّه لم يكن الرسل رؤساء المجالس التشريعية بالمعنى الحديث، لكنّ سننهم، وتشريعاتهم لا تزال- على تطاول الأيام ومضيّ القرون- نافذة بين الطوائف، يقدّسها علية الناس وسفلتهم، وأحكامهم منقوشة على صفحات القلوب، تذعن لها السّوقة والملوك، ويستسلم لها الفقراء، ويخضع لها الأغنياء.
إنّ يد الأيام قد عبثت- كما يشهد التاريخ بالراجا (أشوكا) «١» ملك (باتلي باتر) «٢» ولم تبق يد البلى من أوامره وأحكامه إلا صخورا منقوشة، وحجارة منحوتة. أما (بوذا) «٣» فإنه لا يزال يحكم القلوب، وسننه وقوانينه لا يزال كثير من الناس يدينون لها ويطأطئون الرؤوس لحرمتها. وإنّ أوامر ملوك (أجّين) «٤» و(هستابور) «٥» في دهلي
_________________
(١) أشوكا: ثالث ملوك سلالة موريا في الهند وأعظمهم (٢٧٣- ٢٣٢ ق. م)، نشر البوذية في الهند وفي جنوب شرقي آسيا.
(٢) باتلي بوتر: من أعظم ملوك الهند قبل المسيح.
(٣) بوذا (Buddah) حكيم هندي، أسس مذهب البوذية ضد البرهمية في القرن الخامس قبل المسيح.
(٤) أجّين (Ujjain) من أقدم المدن المقدسة لدى الهندوس، تقع اليوم في ولاية أترابرديش في الهند.
(٥) هستابور (Hastapar) من المدن العريقة في الهند كانت تقع قريبا من دلهي (عاصمة الهند اليوم) .
[ ٢٩ ]
وقنّوج «١» أمست أثرا بعد عين، بل درست آثارهم، وعفت أعلامهم، وأصبحت ديارهم كأطلال خولة، أما (دهرم شاستر) «٢» وهو كتاب العقائد الذي جاء به (منو) فلا زال باقيا نافذا أمره.
والملك (حمورابي) من ملوك بابل كان أول من سنّ القوانين، ولكن أين أوامره وأحكامه؟ لقد نسجت عليها العنكبوت منذ زمان طويل، ولم تدع يد البلى من قوانينه وأحكامه شيئا. أما تعاليم نبي الله إبراهيم ﵇ فما برحت غضّة طرّية.
وأين فرعون ودعواه أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤]؟ لقد أصبحت أضحوكة! أما نبيّ الله موسى ﵇؛ فإنه يسود نوازع القلوب، ويملك أهواء النفوس، ويدين له كثير من الناس، وتسلم لآياته وبيناته طوائف غير قليلة.
وقوانين سولون زال العمل بها وشيكا، بينما التوراة المنزلة من السماء لا تنفكّ أحكامها وقوانينها قسطاس العدل وميزان النصفة.
والقانون الرّوماني الذي عدّ عيسى ﵇ جانيا مجرما بمقتضى أحكامه، واعتبره قد اجترح السوء، وأتى ذنبا، قد خلت القرون تسفيه برياحها فأصبح هشيما مضمحلا. أما عيسى ﵇ فإنّ تعليمه لا يزال نورا تجلى به ظلمات القلوب، وهدى تطهر به نفوس المذنبين، وتزكى به أرواح المجرمين.
وأين أبو جهل «٣» وكبرياؤه، وأين كسرى الفرس ودولته وجبروته؟ وأين قيصر الروم وحكومته وطغيانه؟ كلّ أولئك قد طوى الدّهر صحائفهم، وطمست الأقدار دولهم، وتهدّم مجدهم، وذهبوا أدراج الرياح، أمّا
_________________
(١) قنوج: بلدة تقع في ولاية أترابرديش، وتعدّ من أقدم مدن الهند.
(٢) وهو كتاب العقائد عند الهنادك.
(٣) هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أشدّ الناس عداوة للنبي ﷺ في فجر الإسلام، وأحد سادات قريش وأبطالها، وكان يقال له «أبو الحكم» فدعاه المسلمون «أبا جهل»، قتل في وقعة بدر الكبرى، سنة ٢ هـ.
[ ٣٠ ]
محمّد رسول الله ﷺ فإنّ حكمه ما زال ولن يزال باقيا على الدّهر، وأوامره نافذة، وسنته متبعة في كلّ زمان ومكان.