لقد بعث الله رسله وأنبياءه إلى البشر بالهداية وإصلاح المجتمع الإنسانيّ، ولكنّ الناس أفرطوا فيهم، أو فرّطوا. فمنهم من غلا في تعظيمهم، فرفعهم من منزلة الرّسل، والأنبياء، والهداية إلى منزلة الإله المعبود، أو إلى منزلة شبيهة بذلك، وإنّك لترى في هياكل الشام، وبابل، ومصر تماثيل الكهنة والأحبار تمثل الله ﷿، وتنتحل بعض صفاته، وكذلك الهنادك جعلوا الأنبياء المبعوثين فيهم بالهداية والحكمة آلهة متجسّدة، وكذلك فعل أتباع بوذا، والجينيون بصلحاء ملّتهم، وهداة نحلتهم، فاتخذوهم أربابا، وهذا ما فعله النّصارى بنبيّهم عيسى ابن مريم سلام الله عليه، فاتخذوه ربا، ودعوه ابن الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوّا كبيرا، ذلك ما أفرط به الناس في حقّ الأنبياء، وآخرون قصّروا في حقّهم، وفرّطوا، كما فعل بنو إسرائيل في كلّ من تكهن، أو تحدّث عن أمر المستقبل، فجعلوه نبيا. ولا يتوقف مقام النبوّة عندهم إلا على أن يتحدّث أحد كهانهم في أمر المستقبل، أو أن يتوسّم أمرا فيقع، ولا يلزمه أن يكون ممن يتّقي الماثم، فضلا عن أن يكون عند الله معصوما صالحا، لأجل ذلك ترى في صحف بني إسرائيل أمورا منسوبة إلى الأنبياء تنافي
[ ١٩٧ ]
النبوّة، وهي بين أن تكون غير صحيحة، أو يكون من وقعت منهم غير أنبياء.
فلمّا ظهر الإسلام وصف مكانة الأنبياء اللائقة بهم، وعيّن منزلتهم عند الله، وأعلن أنّهم عبيد الله، وليسوا أشباهه، ولا أندادا له، وأن الله لا يتجسّم في صورهم، وأنّهم ليسوا أبناء الله، ولا أقرباءه، إن هم إلا بشر بعثوا إلى بشر، وأنّ جميع أنبياء الله كانوا من قديم الزمان بشرا لا غير، وكذلك قال محمد خاتم النبيين ﷺ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فاستغرب الكفار ذلك، وقالوا: أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٤] فقال الإسلام: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [فصلت: ٦] هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٣] وكل هذه آيات من كتاب الله الحكيم.
إنّ الأنبياء مع قرب منزلتهم من الله وشرفهم وعلوّ مكانهم عنده لا يملكون من تدبير العالم شيئا، ولا يقدرون على ما لا يقدر عليه إنسان مثلهم، وكلّ ما صدر عنهم مما عجز عنه الآخرون فبإذن الله وأمره. وقد وصفهم الإسلام بأنّهم وإن كانوا بشرا كغيرهم من البشر إلا أنهم أعلى منزلة وأسمى مكانا من سائر الناس، فهم يكلمون الله، ويوحى إليهم، وقد عصمهم الله من الذنوب، وطهّرهم من رجس الآثام، فكانوا أعفة كرام الأخلاق؛ لتكون على أيديهم هداية المجرمين، والآثمين من الناس، وقد يجري الله آياته وبيناته على أيديهم، ليقوموا بتعليم الناس الصّلاح والرشاد، وليزكّوهم، ويطهّروهم، فيجب لهم على الناس أن يكرموهم، ويعظّموهم، ويعملوا بهدايتهم؛ لأنّ الله أرسلهم هداة مصلحين، وشرّفهم برسالته ووحيه وكلامه.
هذا ما علّمه الإسلام للناس من الاقتصاد، والاعتدال في أمر الأنبياء وفاء بحقّهم بلا غلوّ، ولا تقصير، وهذا ما كان جديرا بالإسلام، لأنه جاء مكملا لتوحيد ربّ العالمين.
[ ١٩٨ ]
إخواني! لقد طال بنا الحديث، ومضى هزيع من الليل «١»، وبقي شيء كثير مما أريد أن أقصّه عليكم، فلنختم هذا الحفل بالصّلاة والسّلام على رسول الله الأمين؛ الذي ختم به تعليمه الأخير للناس إلى يوم القيامة.
_________________
(١) هزيع من الليل: نحو الثلث أو الربع الأول منه.
[ ١٩٩ ]
المحاضرة الثّامنة السّيرة المحمّديّة من النّاحية العلميّة
[ ٢٠٠ ]