ومن أقرب الأنبياء عهدا بالإسلام عيسى ﵇ الذي يزيد عدد المنتسبين إليه بحسب إحصاآت الأوربيين على عدد المنتسبين إلى الدّيانات الآخرى، وإنّ المرء ليستغرب حين يعلم أنّ شؤون حياته وأحوال معيشته أخفى من غيره، وأغمض، وقد أسدل الزمان عليها حجابا أكثف مما نراه في حياة العظماء الآخرين من الرسل الذين يعدّون من أصحاب الأديان المشهورة. وإنّ أوربا المسيحية قد حملها حافز البحث والكشف على أن تستثير بطون الصّحارى، وقلل الجبال، وأطراف الصّخور والأطلال الدارسة، ومظانّ الآثار، ومجالات الحوادث التي مرّت عليها الأحقاب الطويلة، فكتب المستشرقون التاريخ القديم لبابل، وأشور، والعرب، والشام، ومصر، وإفريقية، والهند، وتركستان، وأخذوا يلائمون بين الحوادث القديمة المجهولة الزّمن، ويعرضونها على الناس واضحة، نقيّة، منسّقة، مرتبطا بعضها ببعض، وطفقوا يعثرون على الصّفحات المفقودة من كتاب التاريخ القديم للبشر، إلا أنهم قد أعياهم البحث
[ ٥٠ ]
والفحص، فلم يجدوا الصفحات المفقودة عن حياة نبيهم. وقد استفرغ العلامة رينان «١» جهده، ولقي من العناء والنصب مبلغا عظيما ليقف على حياة عيسى كاملة تامّة، ومع ذلك فإنّ شؤون عيسى ﵇ وأحواله لا تزال سرا مكنونا في ضمير الزّمن لم يبح به لسانه بعد.
إنّ عيسى ﵇ عاش في هذه الدنيا ثلاثا وثلاثين سنة كما يروي الإنجيل، والأناجيل الموجودة في الأيدي- على ما في رواياتها من ضعف ولبس- مقصورة على ذكر أحواله لمدة ثلاث سنوات من أواخر حياته وحسب، فنحن لا نعلم عن حياته علم اليقين إلا أنّه ولد، وجيء به إلى مصر، وأراه الله آية أو آيتين في صباه، ثم غاب عن الناس، وظهر لهم وهو في الثلاثين من عمره، فنراه قائما يعظ الملّاحين، وصيادي السّمك على الشواطىء، وفي بعض الرّبوات، فصحبه جماعة من حوارييه، وقد جادل اليهود، وناظرهم في بعض الأحيان، إلى أن حمل اليهود الحكام الروميين على القبض عليه، ورفع أمره إلى محكمة يرأسها قاض من الروم، فقضى عليه بالصّلب، وبعد ثلاثة أيام وجد قبره خاليا من جسده ﵇.
أين قضى عيسى ﵇ الثلاثين أو الخمس والعشرين سنة على الأقل من حياته؟ وفيم قضاها؟ وبأيّ الأعمال شغل هذا الفراغ الواسع من عمره؟ إنّ الدّنيا لا تعلم عن ذلك شيئا ولن تعلم. والسنوات الثلاث الأخيرة ماذا نجد فيها؟ آيات ومعجزات معدودات، وبعض العظات، ثم قيل: إنّه صلب، فانطوت صحيفة حياته.