ولما أرسل النبي ﷺ كتاب الدعوة إلى هرقل عظيم الروم؛ دعا هرقل أبا سفيان ليسأله عن هذه الدعوة وصاحبه، وأنتم تعلمون أنّ أبا سفيان كان يومئذ على العداوة للإسلام ورسوله مدة ست سنوات متوالية انقضت بحشد المقاتلة، واستنفار المشركين لحرب المسلمين. وانظروا إلى هذا الموقف يدعى فيه عدو ليسأل عن عدوه اللدود الذي يتمنى لو استطاع أن يقتله، ويمحو اسمه، ويخفض من شأنه، ثم يدعى إلى مجلس رجل عظيم صاحب سلطان ليشهد عنده في عدوّه. فسأله هرقل عن النبي ﷺ:
كيف نسبه فيكم؟
قال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب.
هل قال هذا القول منكم أحد قبله؟
قال أبو سفيان: لا.
هل كان من آبائه من ملك؟
قال أبو سفيان: لا.
فأشراف النّاس اتّبعوه أم ضعفاؤهم؟
_________________
(١) - ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء، والسقاية، والحجابة، والندوة، والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال أبو ميسرة: إن رسول الله ﷺ مرّ بأبي جهل وأصحابه، فقالوا: يا محمد! إنا والله ما نكذبك، وإنك عندنا لصادق، ولكن نكذّب ما جئت به. فنزلت فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] . (أسباب النزول، للنيسابوري، ص ١٨٢) .
[ ١٠٣ ]
قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.
أيزيدون أم ينقصون؟
قال أبو سفيان: بل يزيدون.
فهل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه؟
قال أبو سفيان: لا.
فهل كنتم تتّهمونه بالكذب؟
قال أبو سفيان: لا.
فهل يغدر؟
قال أبو سفيان: لا، ونحن منه في مدّة لا ندري ما هو فاعل فيها.
ماذا يأمركم؟
يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصّلاة، والصّدق، والعفاف، والصّلة «١» .
فهل تجدون شهادة أعظم من هذه الشهادة؟ إنّ الموقف حرج، والسائل ملك ذو شوكة وقوة، يسأل رجلا ملأ الضغن صدره عن أمر الرسول، فلا يقول فيه إلا الصّدق، والحقّ. فهل تجدون رسولا كاملا أعظم من محمد ﷺ، وأيّ شهادة أصدق من هذه الشهادة؟ إنّ تاريخ الرسل أعجز من أن يأتي بمثلها عن غيره.