هذا فيما يتعلق بالرواية وحملتها، وهنالك علم نقد الحديث من جهة الدراية والفهم، وأنّ له أصولا محكمة، وقواعد متقنة اتخذوها لنقد المرويات، وتمييز صحيحها من سقيمها، وغثّها من السمين، والرّاجح من المرجوح، وقد تحرّى علماء السّنّة في هذا الأمر الحقّ وحده، وتمسّكوا فيه بالمحجّة البيضاء، وكل ما يؤدي إليه الصدق، فكان عملهم هذا من مفاخر الإسلام، وأنت تعلم أنّ ممّن تحمل الرواية رجالا من الولاة، والحكام، والأمراء الذين يخشى جانبهم، ويحذر الناس بطشهم وجبروتهم، فكان المحدّثون يلتزمون فيهم قول الحقّ، وينزلونهم في المنازل التي يستحقّونها، ولا يبالون بما قد يصيبهم من مكروه بسبب هذه المصارحة بما يرضي الله ويصون أمانات الإسلام. وكان وكيع «١» محدّثا كبيرا، وكان أبوه عاملا للدولة على بيت المال، فكان إذا روى عن أبيه شيئا عضده برواية راو آخر، فإذا انفرد أبوه برواية خبر توقّف وكيع عن الأخذ بذلك حتى تعضده رواية أخرى. فهل رأيت مثل هذا الاحتياط، ومثل هذه المبالغة في التثبت عند أهل ملّة أخرى غير ملّة الإسلام؟ ويقول الإمام معاذ بن معاذ «٢»: رأيت المسعودي في سنة ١٥٤
_________________
(١) هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أحد حفاظ الحديث، كان محدث العراق في عصره، أراد الرشيد أن يوليه قضاء الكوفة، فامتنع ورعا، قال الإمام أحمد بن حنبل: «ما رأيت أحدا أوعى منه، ولا أحفظ، وكيع إمام المسلمين» . توفي بفيد راجعا من الحجّ سنة ١٩٧ هـ.
(٢) هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري التميمي، من الأثبات في الحديث، قال الإمام أحمد بن حنبل: «ما رأيت أعقل من معاذ، كأنه صخرة!»، توفي بالبصرة سنة ١٩٦ هـ.
[ ٨٢ ]
هـ «١» يطالع كتابا، يعني أنه قد تغيّر حفظه «٢» . ومما يثير العجب والاستغراب أنّ الإمام معاذ بن معاذ تقدّم إليه رجل بألف دينار على ألا يكتب في كتابه شيئا عن رجل سماه، فلا يوثقه، ولا يجرحه، بل يسكت عنه، فرفض الإمام ذلك المال بشدّة، وقال: إنّي لا أكتم الحق «٣»، فهل يعرف أحد في تاريخ البشر مثالا للاحتياط في العلم والأمانة للحقّ والاستقامة على منهج الصّدق أعلى من هذا المثال؟ على أنّ جميع مرويات السنة لا تزال محفوظة كما هي إلى زماننا هذا، وإنّ قواعد النقد الموضوعة، وأحوال الرواة الممحّصة، قد يسّرت لكلّ من شاء حتى في زماننا هذا وفي كل زمان أن يميز بها بين الصحيح والسقيم، والغثّ والسمين، والرّاجح والمرجوح، والقويّ والضعيف.