وأمر آخر، وهو أنّ الرسالة المحمدية أذّنت في البشر أنّ الإنسان نزّاع إلى الخير، وأنّ فطرته بريئة في الأصل، ثم تطرأ عليها أعماله، فتجعله آثما مذنبا، أو تقيّا صالحا، فسيئاته التي يقترفها هي التي تؤثّر فيه، فتجعله شيطانا مريدا، كما أنّ حسناته التي تصدر عنه هي التي تجلو نفسه، وتهذّبها، فيكون بها ملاكا طاهرا، إنّ هذه لبشرى عظيمة هتف بها محمّد ﷺ رسول الإسلام في بني آدم، بعد أن كانت الأديان المنتشرة في الهند، والصين من سالف الأيام تنشر الإيمان بالتناسخ وبعث الأرواح- بعد موت أصحابها- في أجساد أخرى أرفع منزلة مما قبلها إذا عملوا أعمالا صالحة، أو في أجساد أذلّ وأحقر ممّا كانت فيه من قبل إذا اجترحوا السيئات، وقد ذهب إلى هذا التناسخ بعض النوكى ممن ينتمون إلى حكماء الإغريق، وجرّ هذا الاعتقاد الفاسد وبالا عظيما على معتقديه، فأصبحت حياته حياة إكراه وإجبار، ولا اختيار له فيما يعمل، فكأنه آلة صغيرة تحرّكها آلة كبيرة، وأنّه ولد مذنبا، بل ولادته في الدنيا نذير له بأنه مجرم آثم.
وجاءت المسيحية فثبتت في الناس عقيدة: أنّ كلّ مولود يحمل من ساعة ولادته خطيئة أبيه الأول آدم، فالمولود يولد آثما مخطئا وإن لم يخطىء في
[ ١٩٢ ]
الواقع، والمخطىء الآثم بجبلّته يحتاج إلى المغفرة من شخص آخر لم يولد آثما، ولم يخطىء بجبلّته، فيفدي هذا الشخص الأخير بنفسه خطيئة بني آدم ليذهب بسيئاتهم، وهذا ما نشرته المسيحية المعروفة عند الناس داعية بني آدم إلى الإيمان بالفادي.
أما محمد رسول الله؛ فقد بشّر الإنسان بأنه يولد غير آثم، ولا مجبول على الخطيئة، ولا مسؤول عن خطيئة أبيه الأول آدم، وأنه يعيش عيشة لا إكراه فيها، ولا إجبار، وهو مخير في حياته بين أن يعمل صالحا إن شاء، فيجني ثمرة صلاحه ونزاهته، وبين أن يعمل عملا سيئا، فيكون بعمله مذنبا آثما وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [التين: ١- ٦] .
فالإسلام بشّر بني آدم بأن قوامهم أحسن، وفطرتهم أفضل، وجبلتهم أعدل، وأنهم بعد هذا الإعداد الإلهي إنما يفسدون، أو يصلحون بأعمالهم، وبما يختارونه لأنفسهم وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس: ٧- ١٠] .
وهل من دليل أوضح على حسن جبلة «١» الإنسان ونزاهة فطرته، وطهارة أصله من قول الله فيه إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا «٢» [الإنسان: ٢- ٣] .
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٦- ٨] .