وإذا رجعت إلى حياة نوح ترى الغيظ، والحنق على الكفر وأهله، وعلى الشرك ومن يدين به. وترى في حياة إبراهيم جهادا في تحطيم الأصنام، وإبطال عبادة الأوثان. وفي حياة موسى قتالا للمشركين بالله، وقد سنّ للمؤمنين به سننا اجتماعية، وقوانين ملكية. وترى المسيح عيسى ابن مريم يعفو، ويصفح، ويلين للناس، ويخفض لهم جناحه، فتمتلىء نفسك إعجابا بعفوه وعفته. وأما سليمان ﵇ فيعجبك بجلالته، وسلطانه، وأبهة ملكه. وتمثل لك حياة أيوب معاني الصّبر على المكاره، وشكر الله على الرغائب. ويملؤك يونس إعجابا بإنابته إلى الله، وندمه على ما فرط منه. ويوسف ﵇ يهديك كيف يقوم الإنسان بدعوة الحقّ وهو أسير عان، وكيف يصون نفسه، ويستمسك بعفافه حين تراوده امرأة ذات جمال، وجلال، ومال، وعظمة. وفي حياة داود درس عظمة، وصحيفة عبرة؛ إذ يبكي من خشية الله، ويحمده، ويدعوه متضرعا إليه. وفي سيرة يعقوب أسوة للمرء فيما يرجوه من رحمة الله، والثقة به، والتوكل عليه عند ما تظلم الدنيا في عينيه. أما سيرة محمد ﷺ فإنّها تجمع ذلك كلّه، وتشتمل على جميع هذه الخصال، وتعمّ الأخلاق الكريمة
[ ١٢٣ ]
بحذافيرها وما تفرّق منها في سيرة نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسليمان، وداود، وأيوب، ويونس، ويوسف، ويعقوب عليهم الصلاة والسلام، فكأنّ السيرة المحمدية بحر لجيّ تنصبّ فيه جميع الأنهار، وتتصل به كل البحار من سير الأنبياء والرسل، وهداهم، وسننهم.
روى الخطيب البغدادي «١» في تاريخه بإسناد ليّن: أن نداء سمع عند مولد النبيّ ﷺ أن طوفوا بمحمد جميع البلاد، واغطسوه في قعر البحار ليعرف العالم كلّه، ثم اذهبوا به إلى جميع الإنس، والطير، والحيوان، وأعطوه من خلق آدم، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلّة إبراهيم، ولسان إسماعيل، ورضا إسحاق، وبلاغة صالح، وحكمة لوط، وشدّة موسى، وصبر أيوب، وطاعة يونس، وجهاد يوشع، ولحن داود، وحب دانيال، ووقار إلياس، وعفّة يحيى وزهد عيسى، واغمسوه في بحر أخلاق الرّسل كلّهم.
والعلماء الذين رووا هذه الرواية في كتبهم أرادوا بها أن يعربوا عن حقيقة سيرة الرسول، وأنّها كاملة جامعة، وأنّ ما أعطي الرسل جميعا متفرقين قد أوتيه محمد ﷺ وحده، وأن ما تفرّق من مكارم الأخلاق في الرّسل قد اجتمع فيه ﷺ.