ومن أكثر الأنبياء ذكرا وأوضحهم حياة موسى ﵇، ترى ماذا تقول أسفار التوراة الخمسة عن حياته؟ ذلك ما نستعرضه بلا أيّ نقد لما فيه من روايات ضعيفة، وغير متعرضين الآن لذكر صحتها، أو سقمها، بل نوردها مفترضين صحّتها:
لا نجد في هذه الأسفار الخمسة من التوراة عن حياة موسى إلا أنّه بعد ولادته تربّى في قصر فرعون، ولما بلغ مبلغ الرجال نصر قومه بني إسرائيل على ظلم فرعون مرّة أو مرّتين، ثم هرب من مصر إلى (مدين) من بلاد العرب، وتزوج فيها، وأقام هناك برهة من الزمن، ثم رجع منها إلى مصر، وبينما هو في طريقه إليها أوحي إليه من ربّه، وبعث إلى قومه نبيّا وداعيا، ثم لقي فرعون، وأراه آيات بيّنات، واستأذنه في الخروج ببني إسرائيل من مصر، فلم يأذن له بذلك، فخرج بهم على حين غفلة من فرعون، ووجد في البحر طريقا بإذن الله، وتبعه فرعون فأدركه الغرق. أما موسى فقصد بقومه إلا بلاد العرب، ودخل بهم أرض الشام، وجاهد من كانوا على الشّرك من أهلها، ومازال يقاتل ويجاهد إلى أن هرم، وبلغ من
[ ٤٨ ]
العمر عتيّا، وأرعشه الكبر، فجاءه الموت وهو على ربوة، وقد اختتم سفر التثنية بهذه الفقرات:
«إنّ عبد الله موسى مات بإذن الله في أرض موآب، ودفنه الله في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم.
وكان موسى ابن عشرين ومئة سنة حين جاءه الموت ولم يقم بعد نبيّ في إسرائيل مثل موسى» «١» .
هذه الفقرات نقلناها من سفر التثنية وهو السّفر الخامس من التوراة الموحى إلى موسى ﵇، ولا يخفى على ناظر هذا السفر أنّ الكلمات التي نقلناها لم ينطق بها موسى ﵇، وهذا يدلّ على أنّ هذا السفر كلّه، أو جزءه الأخير على الأقل، ليس لموسى، وأنّ الدّنيا تجهل كاتب هذه السيرة لموسى.
ومما يلفت نظر القارئ قول القائل في هذا السفر «ولم يعرف إنسان قبره (أي قبر موسى ﵇) إلى اليوم» وقوله «لم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى» . إنّ هاتين الفقرتين تدلان على أنّ هذا الجزء الأخير من سيرة موسى ﵇ قد أضيفت إلى كتاب حياته بعد أيام طويلة ذهبت فيها يد الدهر باثار هذا المزار العظيم والمشهد الكبير حتى عمي محلّه عن الأجيال التالية، ونسوه، بل أضيف هذا الجزء من سيرة موسى إلى سفر التثنية بعد زمان طويل كان يرجى فيه أن يقوم في إسرائيل نبيّ يسدّ فراغ موسى، فنوّه كاتب السفر بأنه لم يقم بعد مثله.
إنّ موسى ﵇ عمّر طويلا، وقد نسأ الله من أجله حتى عاش عشرين ومئة سنة، فما الذي نعرفه عن حياته الطويلة، وبأي الأعمال شغل فراغ حياته المباركة، وما هي النواحي التي نعلمها واضحة مفصّلة من سيرته الحافلة بكثير ممّا كان ينبغي أن يعلم؛ لتحسن به الأسوة؟ إننا لا نعلم إلا مولده، وشبابه، وهجرته، وزواجه، وبعثته، ثم قتاله المشركين إلى
_________________
(١) سفر التثنية (٣٤: ٥- ١٠) .
[ ٤٩ ]
أن لقيناه مرّة أخرى وهو يرتعش من الكبر، وقد أدركه الهرم، وبلغ من العمر عشرين ومئة سنة. وهل يغنينا ذكر ما يتعلق بحياته الخاصّة مما يمرّ بكلّ إنسان في حياته وبيئته العادية؟ إنّ الأمور التي كان يحتاج البشر إلى معرفتها من حياة موسى الاجتماعية هي: الأخلاق، والعادات، والهدي، وكلّ ذلك لا نجده في سيرته. أما ذكر أسماء الرجال، وأنسابهم، وأماكنهم، وبلادهم، وعددهم، فممّا لا يهمّنا علمه في مقام القدوة والأسوة والهداية، مع أنه هو الذي نراه مفصلا في التوراة. وكذلك نرى فيها شيئا كثيرا من القوانين، والمبادئ، والأصول، لكن هذه الأمور والتي سبقتها مهما تكن أهميتها عند علماء الجغرافيا، والأنساب، والحقوق فإنّها لا تعنينا نحن من جهة الأسوة والقدوة في الحياة، ولا تسدّ الخلل الواقع في سيرة موسى ﵇ من هذه النّاحية؛ التي لا يكمل بيانها إلّا بذكر أخلاقه، وشؤون حياته، وأحواله في معاشرته، وهو ما لا بدّ منه ليتخذه البشر مثالا يعمل به.