أخذ الرسول ﷺ يدعو قريشا الى الاسلام علنا، وابتدأت قريش تظهر خصومتها للدعوة، وأخذت خصومتهم تشتدّ وتعنف كلما زاد عدد المسلمين.
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة الحجر ١٥: ٩٤.
(٢) - الآية الكريمة من سورة الشعراء ٢٦: ٢١٤.
[ ٦٣ ]
اعتبرت قريش المسلمين عصاة ثائرين، فاستباحت في الحرم الآمن الدماء والأموال من المستضعفين المسلمين ممن لا أعوان لهم يدفعون عنهم الظلم والعدوان.
أسلم عمّار بن ياسر وأسلم أبوه وأمّه، فكان المشركون يخرجونهم في الظهيرة الى العراء فيعذبونهم بحرّها، فمات ياسر من العذاب، وأغلظت امرأته القول لأبي جهل، فطعنها بحربة فماتت هي أيضا.
ولاقى مثل هذا العذاب ومثل هذا المصير كثير من المستضعفين.
ولم تكتف قريش بذلك، بل شنّت حربا من السخرية على الرسول ﷺ وعلى أصحابه، فزعموا أن الرسول ساحر، وزعموا أنه كاهن أو شاعر أو مجنون.
وسيطرت قريش على القبائل الوافدة الى مكة المكرمة للحج أو للزيارة أو لأغراض أخرى، فخصصوا جماعة منهم لاستقبال الوافدين لينفروهم عن محمد ﷺ ودعوته.
ولكنّ الرسول ﷺ كان يذهب الى الحجيج في مجامعهم، ويطلب منهم النصرة على مشهد من رجال قريش.
واشتدت مقاومة قريش للمسلمين، فأوعز الرسول ﷺ الى المستضعفين منهم والى قسم من أصحابه أن يهاجروا الى الحبشة، وكان ذلك في السنة الخامسة من مبعثه.
ورأت قريش انتشار الاسلام، فعزمت على عقد معاهدة تعتبر فيها المسلمين ومن يرضى بدينهم أو يعطف عليهم أو يحمي أحدا منهم حزبا واحدا: لا يبيعونهم شيئا ولا يبتاعون منهم شيئا، ولا يزوجونهم أو يتزوجون منهم؛ وكتبوا ذلك في صحيفة علّقوها في جوف الكعبة توكيدا لنصوصها، فاضطر
[ ٦٤ ]
الرسول ﷺ ومن معه أن يلتجئوا الى شعب بني هاشم «١»، وانحاز إليهم بنو المطّلب كافرهم ومؤمنهم عدا أبا لهب، فقد آزر قريشا في خصومتها لقومه.
واشتد الحصار على المسلمين، فقلّ غذاؤهم وكساؤهم، وبلغ بهم الجهد أقصاه، ومع ذلك لم تفتر خصومة قريش في حملتها على الاسلام وأصحابه وتأليبها العرب عليهم في كل مكان.
وتحمّل المسلمون هذه المحنة ثلاث سنوات، حتى تيقظ ضمير بعض أفراد قريش، فنقضوا صحيفة القطيعة.