عقد الرسول ﷺ معاهدة بين المسلمين من جهة ويهود والمشركين من أهل المدينة المنورة من جهة أخرى، وادعهم فيها وأقرّهم على دينهم وأموالهم.
_________________
(١) - والثانية وشهد (بدرا) وقتل يوم (أحد) . قال رسول الله (ص) يوم (أحد): (من يأتيني بخبر سعد بن الربيع)؟ فقال رجل: أنا. وذهب الرجل يطوف بين القتلى، فقال له سعد: (ما شأنك)؟ قال: بعثني رسول الله (ص) لآتيه بخبرك، فقال سعد: (فاذهب إليه فأقرئه مني السلام وأخبره أني طعنت اثنتي عشرة طعنة، وأني قد أنفذت مقاتلي، وأخبر قومك أنهم لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله (ص) وأحد منهم حي)، فرجع الرجل الى النبي (ص) فأخبره، فقال: (رحمة الله! نصح لله ولرسوله حيا وميتا) . آخى رسول الله (ص) بينه وبين عبد الرحمن بن عوف فأراد أن يناصفه أهله وماله، وكان له زوجتان، فقال له عبد الرحمن: (بارك الله لك في أهلك ومالك! دلوني على السوق) . أنظر التفاصيل في طبقات ابن سعد ٧/ ٦١٢، والإصابة ٣/ ٧٧، التسلسل ٣١٤٧، وأسد الغابة ٢/ ٢٧٧، والاستيعاب ٢/ ٥٨٩، التسلسل ٩٣١.
(٢) - نص المعاهدة: -
[ ٧١ ]
وفي هذه المعاهدة نظّم الرسول ﷺ الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية لسكان المدينة المنورة من المسلمين والمشركين ويهود.
_________________
(١) - بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم إنهم أمة واحدة من دون الناس. المهاجرون من قريش على ربعتهم (أي على أمرهم الذي كانوا عليه) يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، (ثم ذكر كل بطن من بطون الأنصار وأهل كل دار الى أن قال) وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا (أي المثقل بالدين والعيال)، بينهم أن يعطوه بالمعروف وفي فداء أو عقل. ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم (أي طبيعته) أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن. وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم. وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. وإن من تبعنا من اليهود فان له النصر والأسوة (أي المساواة في المعاملة) غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا. وأن المؤمنين يبيء بعضهم عن بعض (أي أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض فيما ينال دماءهم) بما نال دماءهم في سبيل الله. وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه. وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن. وإنه من اعتبط (أي قتله بلا جناية كانت منه أو جريرة توجب قتله) مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود به إلا أن يرضي ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة ولا يحلّ لهم إلا قيام عليه، وأنه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثا (أي جانيا) ولا يؤويه، وإنه من نصره وآواه فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فان مرده الى الله والى محمد ﵊، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم، فانه لا يوتغ (أي يهلك ويفسد) إلا نفسه وأهل بيته. وإن ليهود بني النجار ويهود بني الحارث ويهود بني ساعدة ويهود بني جشم ويهود بني الأوس، ويهود بني ثعلبة ولجفنة ولبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف. وإن موالي ثعلبة كأنفسهم. وإن بطانة يهود كأنفسهم. وأن لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، وإنه لا يتحجر (أي لا يلتئم جرح) على ثأر جرح وإنه من فتك فبنفسه وأهله إلا من ظلم. وإن الله على أبر هذا. وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. وإن بينهم النصر على من حارب هذه الصحيفة. وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفة. وإن النصر للمظلوم. وإن-
[ ٧٢ ]
نظّم بها الحياة الاقتصادية، فالفقير يجد معاونة من الغني في معيشته وفك ديونه وتحمّل فدائه وديّته.
ونظّم بها الحياة الاجتماعية، فالجار له حرمة من جاره، وسكان المدينة المنورة آمنون فيها من القتل والاغتيال والغدر، ولكل دينه الذي هو عليه، والمجرم ينال عقابه على جرمه دون أن يحول دون تنفيذ العقاب عليه حائل، وليس هناك ما يفرّق بين الصفوف من دين أو أغراض أخرى.
هاتان الناحيتان: الاقتصادية والاجتماعية، واضحتان ومفهومتان في هذه المعاهدة، وإنما يهمنا الناحية العسكرية فيها بالدرجة الأولى.
لقد نصّت المعاهدة على قيادة محمد ﷺ لسكان المدينة المنورة كافة: مسلمين ومشركين ويهود. فإليه يرجع الأمر كله، وله أن يحكم في كل اختلاف يقع بين السكان، وبذلك أصبح النبي ﷺ (قائدا) في المدينة المنورة.
كما نصّت المعاهدة على تعاون أهل المدينة في ردّ كل اعتداء يقع عليها من الخارج، وبذلك توحّدت صفوف أهل المدينة وأصبح لهم هدف، هي الدفاع عن المدينة ضد كل اعتداء خارجي.
_________________
(١) - اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن (يثرب) حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم. وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها. وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث او اشتجار يخاف فساده، فان مرده الى الله والى محمد رسول الله. وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة، وأبره، وانه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم (يثرب)، وإذا دعوا الى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه. وإنهم إذا دعوا الى مثل ذلك فان لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصّتهم من جانبهم الذي قبلهم. وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة. وإن البر دون الاثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه. وإن الله أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإن من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم وإن الله جار لمن برّ واتقى.
[ ٧٣ ]
كما أعلنت المعاهدة بصراحة، أنه لا يجوز لمشرك من أهل المدينة أن يجير مالا لقريش ولا نفسا، وأن اليهود يعاونون المؤمنين في النفقة عليهم ما داموا محاربين، وبذلك أو شك الكفاح بين المسلمين وقريش أن يبدأ.
بهذه المعاهدة استطاع الرسول ﷺ أن يجعل أهل المدينة كلهم على اختلاف أديانهم وميولهم وأهوائهم يدا واحدة على أعدائهم.
لقد أنجز الرسول ﷺ بهذه المعاهدة الاستعدادات كافة لحشد قواته في مكان واحد تحت قيادة واحدة، فأصبحت مهيئة للدفاع عن الاسلام.
لقد عمل في هذه الفترة على الاستعداد للجهاد، فلما أكمل توحيد رجاله بدأ الجهاد.