شجع الرسول ﷺ أصحابه قبل القتال وأثناءه، وقوّى عزائمهم ومعنوياتهم، حتى لا يكترثوا بتفوق قريش عليهم بالعدد والعدد؛ ولم تكن معنويات الكبار الذين مارسوا الحرب وعرفوها من المسلمين هي العالية فحسب، إنما كانت معنويات الأحداث الصغار الذين لم يمارسوا حربا ولا قتالا عالية أيضا.
[ ١١٩ ]
قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: (إني لفي الصف يوم (بدر)، إذا التفتّ فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم! أرني أبا جهل. فقلت:
يا ابن أخي، ما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه)
(وقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، فأشرت لهما إليه، فشدّا عليه مثل الصقرين: فضرباه حتى قتلاه)، وقد استشهد هذان البطلان في (بدر)، وهما ابنا عفراء: عوف بن الحارث الخزرجي الأنصاري «١» ومعوّذ بن الحارث الخزرجي الأنصاري «٢» .
فإذا كانت معنويات الفتيان الأحداث بهذا المستوى الرفيع، فكيف تكون معنويات الرجال؟
لقد أثبتت كل الحروب في كل أدوار التاريخ، أن التسليح والتنظيم الجيدين والقوة العددية غير كافية لنيل النصر ما لم يتحلّ المقاتلون بالمعنويات العالية.
_________________
(١) - عوف بن عفراء: وعفراء أمة من بني النجار، واسم أبيه الحارث بن رفاعة من بني النجار أيضا، وكان في الستة النفر الذين أسلموا أول من أسلم من الأنصار بمكة وشهد العقبتين. شهد عوف بدرا، فلما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن عفراء: (يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده)؟ فقال: (أن يراه قد غمس يده في القتال يقاتل حاسرا)، فنزع عوف درعه ثم تقدم فقاتل حتى قتل شهيدا، قتله أبو جهل بن هشام بعد أن ضربه عوف وأخوه معوّذ فأثبتاه. أنظر التفاصيل في طبقات ابن سعد ٧/ ٤٩٢، والإصابة ٥/ ٤٢، التسلسل ٦٠٨٧، وأسد الغابة ٤/ ١٥٥، والاستيعاب ٣/ ١٢٢٥، التسلسل ٢٠٠٢.
(٢) - معوّذ بن عفراء: شقيق عوف، شهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار وشهد بدرا، وهو الذي ضرب أبا جهل بن هشام هو وأخوه عوف بن الحارث حتى اثبتاه، فعطف عليهما ابو جهل فقتلهما. ووقع أبو جهل صريعا فقذف عليه عبد الله بن مسعود. وليس لمعوّذ عقب. أنظر التفاصيل في طبقات ابن سعد ٧/ ٤٩٢، والإصابة ٦/ ١٢٩، التسلسل ٨١٥٧، وأسد الغابة ٤/ ٤٠٢، والاستيعاب ٤/ ١٤٤٢، التسلسل ٢٤٢٣.
[ ١٢٠ ]
لقد كان تنظيم وتسليح الإيطاليين في الحرب العالمية الثانية متميزين، كما كان عددهم ضخما؛ فلم يغن عنهم كل ذلك، لأن معنوياتهم كانت منهارة!
لذلك كانوا عبئا ثقيلا على حلفائهم الألمان في كل معركة اشتركوا فيها معهم.
بل كان الحلفاء يعتبرون المناطق التي تشغلها القوات الايطالية فراغا عسكريا لا يكترث به!!
إن المعنويات العالية التي كان يتحلى بها المسلمون في (بدر)، من أهم أسباب نصرهم في تلك المعركة الحاسمة.
لقد كانت معركة بدر صراعا حاسما بين عقيدتين فانتصرت العقيدة التي تستحق البقاء على العقيدة التي تستحق الفناء