تمحور الفكر الغربى حول شخصية المسيح ﵇. وتحولت شخصية المسيح بعد تحريف الدين المسيحى إلى تجسيد للفكر الغربى حول مركزية الفرد فى الكون. فقد تحول الإله فى نظر المتدينين إلى شخص.. إله فى صورة فرد..
دفع دمه ثمنا مقدما لجميع خطاياهم القادمة. وعندما سيطر الفكر النفعى على الشخصية الغربية، أصبح التعلق بشخص المسيح يمثل قمة النفعية لمن اختاروا التدين، فهو قد قام بدفع فتورة خطاياهم حتى قبل أن يقعوا فيها، وأبقى لهم الحياة لكى يمارسوا فيها ما شاؤا من أفعال طالما أن محبة المسيح كفرد وكإله- تسيطر على مشاعرهم. أما من تركوا الدين المسيحى بأكمله، وأصبحوا لادينيين أو ملحدين، فقد كان المسيح- بعد تحريف الدين- أيضا مركزيا فى مواقفهم الفكرية فهو فرد، وبالتالى لا يمكن أن يختلف عن غيره من البشر، وبالتالى فليس هناك إله- بزعمهم. كما أن المسيح بصورته التى قامت الكنيسة الغربية بتصويرها رحيم منعزل عن حياة الناس يقبل بكل معايير الحياة الإنسانية، ولا يدعو إلا إلى الحرية والمساواة وهى أهم قيم
[ ٤٩ ]
العلمانية ولا تصادم من تركوا الدين، وبالتالى فلا حاجة إلى مصادمة المسيح.
أما العلاقة مع محمد فهى علاقة تصادمية مع كل من التيار الدينى والعلمانى فى الغرب على المستوى الفكرى. فمحمدﷺ- حرص على أن يكون فردا.. إنسانا بكل معانى الإنسانية، ورفض أن يكون إلها فى صورة إنسان، وبالتالى فهو يناقض فهم المتدينين من الغرب للإله الذى عرفوه، وبالتالى تكونت الكراهية والضيق من كل ما يمثله محمد ﷺ فهو ليس على شاكلة المسيح.. فى نظرهم.. وهو يناقض أيضا مشاعر ورغبات غير المتدينين، لأنه يطلب من البشر- كما أمره خالقه- بالكثير من العبادات والأعمال والالتزامات، ويقدم حرية المجتمع على حرية الفرد، ويضحى بالمساواة من أجل العدالة ومن أجل صلاح المجتمع. كل ذلك ساهم فى تكوين صورة سلبية وقاسية عن نبى الإسلام.
إن المتدينين فى الغرب- كما فى الشرق أيضا- يعشقون فكرة المعجزة لأنها خلاص من مواجهة واقع يطحن أحلامهم لذلك انتشر فى التدين الغربى قصص المعجزات والخوارق وكرامات القديسين، وأصبح ذلك مكونا رئيسيا من مكونات التدين المسيحى الغربى. أما محمدﷺ- فقد جسد إمكانية انتصار الإنسان دون حاجة إلى المعجزات.. لقد كانت حياة الرسول- فى نظرهم- خالية من المعجزات، والحياة الغربية قاسية، والتدين فيها يسمح للفرد أن يحلم بالمعجزة للفرار من الواقع، ونبى الإسلام لا يعد بالمعجزات، وإنما بحياة مليئة بالجهد والجد والمعاناة من أجل آخرة يمكن فيها الاستمتاع بالجنة.
لقد نجح من حرفوا دين المسيح أن يقنعوا أنصار المسيح فى الفكر الغربى، أن لهم أن يجمعوا بين كل متع الدنيا- فقد دفع ثمن ذلك المسيح- وأن يجمعوا معها أيضا النجاة فى الآخرة لأنهم أحبوا المسيح. وهكذا يتفرغ المتدين للحياة دون الحاجة الحقيقية للعمل فإن محبة المسيح كافية للجنة. أما محمد فإن دينه ودعوته تطلب من الإنسان الكثير، ولا تعد بالمقابل إلا بأمل فى رحمة الله.
كيف إذن لمن يعتنق الفكر النفعى أن يحب محمدا؟
[ ٥٠ ]
ويروى الكاتب العربى هشام جعيط فى تحليله للشخصية الأوربية كيف أنها نظرت للعالم الإسلامى ولدعوة النبىﷺ- فيقول: «يسير تاريخ الإسلام لا وفق ديناميكيته الخاصة، بل كانعكاس شاحب ومعكوس لتاريخ الغرب. لنأخذ مثلا على ذلك: شخصية محمد. نلاحظ أنه ضمن كل تحليل لهذه الشخصية تنساب عملية مقارنة مع المسيح. إذا كان محمد غير صادق فذلك لأن المسيح كان صادقا؛ وإذا كان متعدد الزوجات وشهوانيا، فلأن المسيح كان عفيفا؛ وإذا كان محمد محاربا وسياسيا فذلك استنادا إلى أن يسوع مسالم، مغلوب ومعذب.