«أستطيع أن أقول بكل قوة أنه لا يوجد مسلم جديد واحد لا يحمل فى نفسه العرفان بالجميل لسيدنا محمدﷺ- لما غمره به من حب وعون وهداية وإلهام فهو القدوة الطيبة التى أرسلها الله رحمة لنا وحبا بنا حتى نقتفى أثره» «٢» .
« وأخيرا أخذت أدرس حياة النبى محمدﷺ- فأيقنت أن من أعظم الآثام أن نتنكر لذلك الرجل الربانى الذى أقام مملكة لله بين أقوام كانوا من قبل متحاربين لا يحكمهم قانون، يعبدون الوثن، ويقترفون كل الأفعال المشينة، فغير طرق تفكيرهم، لا بل بدل عاداتهم وأخلاقهم، وجمعهم تحت راية واحدة وقانون واحد ودين واحد وثقافة واحدة وحضارة واحدة وحكومة واحدة، وأصبحت تلك الأمة، التى لم تنجب رجلا عظيما واحدا يستحق الذكر منذ عدة قرون، أصبحت تحت تأثيره وهديه تنجب ألوفا من النفوس الكريمة التى انطلقت إلى أقصى أرجاء المعمورة تدعو إلى مبادئ الإسلام وأخلاقه ونظام الحياة الإسلامية وتعلم الناس أمور الدين الجديد» «٣» .
« تحملﷺ- ثلاثة عشر عاما كاملة من المتاعب (فى مكة) دون انقطاع، وثمانى سنوات «٤» (فى المدينة) دون توقف، فتحمل ذلك كله، فلم يتزحزح شعرة عن موقفه، وكان صامدا، رابط الجأش، صلبا فى أهدافه
_________________
(١) الدكتور م. ج درّانى Dr.M.H.Durrani: سليل أسرة مسلمة منذ القدم، أصبح نصرانيا فى فترة مبكرة من حياته وتحت تأثير إحدى المدارس التبشيرية المسيحية، وقضى ردحا من حياته فى كنيسة إنكلترا، حيث عمل قسيسا منذ عام ١٩٣٩ وحتى عام ١٩٦٣ حيث جاءه الإسلام «كما يأتى فصل الربيع»، فعاد إلى دين آبائه وأجداده.
(٢) رجال ونساء أسلموا، ٤/ ٢٧- ٢٨.
(٣) نفسه، ٤/ ٢٨- ٢٩.
(٤) بل عشر سنوات.
[ ١٢٢ ]
وموقفه. عرضت عليه أمته أن تنصبه ملكا عليها وأن تضع عند قدميه كل ثروات البلاد إذا كف عن الدعوة إلى دينه ونشر رسالته. فرفض هذه الإغراآت كلها فاختار بدلا من ذلك أن يعانى من أجل دعوته. لماذا؟ لماذا لم يكترث أبدا للثروات والجاه والملك والمجد والراحة والدعة والرخاء؟ لابدّ أن يفكر المرء فى ذلك بعمق شديد إذا أراد أن يصل إلى جواب عليه» «١» .
«هل بوسع المرء أن يتصور مثالا للتضحية بالنفس وحب الغير والرأفة بالآخرين أسمى من هذا المثال حيث نجد رجلا يقضى على سعادته الشخصية لصالح الآخرين، بينما يقوم هؤلاء القوم أنفسهم الذين يعمل على تحسين أحوالهم ويبذل أقصى جهده فى سبيل ذلك يقومون برميه بالحجارة والإساءة إليه ونفيه وعدم إتاحة الفرصة له للحياة الهادئة حتى فى منفاه، وأنه رغم كل ذلك يرفض أن يكف عن السعى لخيرهم؟ هل يمكن لأحد أن يتحمل كل هذا العناء والألم من أجل دعوة السعى لخيرهم؟ هل يمكن لأحد أن يتحمل كل هذا العناء والألم من أجل دعوة مزيفة؟ هل يستطيع أى مدخول غير مخلص أن يبدى هذا الثبات والتصميم على مبدئه والتمسك به حتى آخر رمق دون أدنى وجل أو تعثر أمام الأخطار وصنوف التعذيب التى يمكن تصورها وقد قامت عليه البلاد بأكملها وحملت السلاح ضده؟» «٢» .
«إن هذه الإيمان وهذا السعى وهذا التصميم والعزم الذى قاد به محمدﷺ- حركته حتى النصر النهائى، إنما هو برهان بليغ على صدقه المطلق فى دعوته. إذ لو كانت فى نفسه أدنى لمسة من شك أو اضطراب لما استطاع أبدا أن يصمد أمام العاصفة التى استمرّ أوارها أكثر من عشرين عاما كاملة، هل بعد هذا من برهان على صدق كامل فى الهدف واستقامة فى الخلق وسموّ فى النفس كل هذه العوامل تؤدى لا محالة إلى الاستنتاج الذى لا مفر منه وهو أن هذا الرجل هو رسول الله حقا. هذا هو نبينا محمدﷺ- إذ كان آية فى
_________________
(١) رجال ونساء أسلمو، ٤/ ٢٩- ٣٠.
(٢) نفسه، ٤/ ٣٠.
[ ١٢٣ ]
صفاته النادرة ونموذجا كاملا للفضيلة والخير، ورمزا للصدق والإخلاخص
(إن) حياته وأفكاره وصدقه واستقامته، وتقواه وجوده، وعقيدته ومنجزاته، كل ذلك براهين فريدة على نبوته. فأى إنسان يدرس دون تحيّز حياته ورسالته سوف يشهد أنه حقا من عند الله، وأن القرآن الذى جاء به للناس هو كتاب الله حقا، وكل مفكر منصف جاد يبحث عن الحقيقة لابدّ أن يصل إلى هذا الحكم» «١» .