من الحقائق المسلم بها أن الإسلام جاء دينا للعالمين، لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور ومن الباطل إلى الحق ومن الجور إلى العدل ومن الفجور إلى التقوى، وكان له الفضل الكبير على الفلسفات والأفكار والقوانين والشرائع الأرضية التى استمدت منه روح العدل والمساواة والتسامح والاعتدال والحرية والأخوة الإنسانية.
وقد أقر العديد من فلاسفة الغرب بهذه الحقيقة فى وقت مارى فيها آخرون وأشاعوا ترهات غير منطقية وغير موضوعية عن الإسلام، ونسبوا ما جاء به من تعاليم وتشريعات إلى نواميس سابقة عليه، وإلى القانون الوضعى الرومانى، وهى ترهات كفى الغربيون المنصفون المسلمين مهمة الرد عليها بأسس علمية. كما أثبت الباحثون المسلمون عوارها وتساقطها وإغراضها.
يقول الفيلسوف والكاتب الإنجليزى المعروف برنارد شو: «إن أوروبا الآن ابتدأت تحس بحكمة محمد، وبدأت تعيش دينه، كما أنها ستبرئ العقيدة الإسلامية مما اتهمها بها من أراجيف رجال أوروبا فى العصور الوسطى» .
[ ١٠٥ ]
ويضيف قائلا: «ولذلك يمكننى أن أؤكد نبوءتى فأقول: إن بوادر العصر الإسلامى الأوروبى قريبة لا محالة، وإنى أعتقد أن رجلا كمحمد لو تسلم زمام الحكم المطلق فى العالم بأجمعه اليوم، لتم له النجاح فى حكمه، ولقاد العالم إلى الخير، وحل مشاكله على وجه يحقق للعالم كله السلام والسعادة المنشودة» .
ويفند المؤرخ الأوروبى روبرت بريغال مزاعم الغربيين عن تأثر الإسلام بالتشريعات اليونانية الرومانية، فيقول: «إن النور الذى أشعلت منه الحضارة فى عالمنا الغربى لم تشرق جذوته من الثقافة اليونانية الرومانية التى استخفت بين خرائب أوروبا، ولا من البحر الميت على البوسفور (يعنى بيزنطة)، وإنما بزغ من المسلمين، ولم تكن إيطاليا مصدر الحياة فى أوروبا الجديدة، بل الأندلس الإسلامية»، إلى أن يقول: «إن هذه الحقيقة التاريخية لا يمكن للغرب إنكارها مهما أوغل فى التعصب، واستخف به العناد. إن دين أوروبا لمحمد رسول الإسلام غريب ألا يجد محل الصدارة فى نسق التاريخ المسيحى» .
أما وليام موير المؤرخ الإنجليزى فيقول فى كتابه (حياة محمد): «لقد امتاز محمد﵇- بوضوح كلامه، ويسر دينه، وقد أتم من الأعمال ما يدهش العقول، ولم يعهد التاريخ مصلحا أيقظ النفوس وأحيا الأخلاق ورفع شأن الفضيلة فى زمن قصير كما فعل نبى الإسلام محمد» .
هذه مقتطفات من مواقف فلاسفة ومستشرقين أوروبيين وغربيين فى حق المصطفى محمدﷺ- النبى الخاتم، أردنا منها إثبات أن أبناء الحضارة الغربية يقرون بدور الإسلام فى بنائها وتشييد صروحها، وبنبوة محمدﷺ- وصفاته الحميدة وفضله المتصل إلى يوم القيامة على البشرية فى جميع أقطار المعمور، ذلك أن التعصب الأوروبى المسيحى لم يكن خطا صاعدا باستمرار، وإنما وجد هناك منصفون أكدوا الحقيقة بلا لف أو دوران، ولكن الثقافة الغربية السائدة والمتشبعة بقيم التعصب والعناد والتمركز الحضارى حول الذات سعت إلى حجب هذه الحقائق وإخفاء هذه الأصوات حتى لا يتمكن
[ ١٠٦ ]
الشخص الأوروبى العادى من الإطلاع على ما بثه أبناء جلدته من الكبار فى حق الإسلام ونبيه ورسالته العالمية الخالدة، وذلك كله بهدف تحقيق غرضين، الأول إبعاد الأوروبيين المسيحيين عن الإسلام الذى دلل على قدرته على التغلغل فى النفوس وملامسة صوت الفطرة فى الإنسان، فهو يخيف الغرب المتوجس من تراجع عدد معتنقى المسيحية فى العالم، برغم ما ينفقه من الأموال والوقت لتنصير الشعوب، والغرض الثانى ضمان استمرار الصراع بين الغرب والإسلام والقطيعة بينهما لمصلحة الصهيونية والماسونية التى تعتبر نفسها المتضرر الأول والرئيسى من أى تقارب أو حوار بين الإسلام والغرب.
وصدق الله العظيم إذ يقول: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (فصلت: ٥٣، ٥٤) .