«هل رأيتم قط.. أن رجلا كاذبا يستطيع أن يوجد دينا عجبا.. إنه لا يقدر أن يا بنى بيتا من الطوب! فهو إذا لم يكن عليما بخصائص الجير والجص والتراب وما شاكل ذلك فما ذلك الذى يبنيه بيت وإنما هو تل من الأنقاض وكثيب من أخلاط المواد، وليس جديرا أن يبقى على دعائمه اثنى عشر قرنا يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأنه لم يكن. وإنى لأعلم أن على المرء أن يسير فى جميع أموره طبق قوانين الطبيعة وإلا أبت أن تجيب طلبته.. كذب ما يذيعه أولئك الكفار وإن زخرفوه حتى تخيّلوه حقا.. ومحنة أن ينخدع الناس شعوبا وأمما بهذه الأضاليل..» «٢» .
«.. إن محمداﷺ- لم يتلق دروسا على أستاذ أبدا وكانت صناعة الخطّ حديثة العهد آنذاك فى بلاد العرب، ويظهر لى أن الحقيقة هى أن محمداﷺ لم يكن يعرف الخط والقراءة، وكل ما تعلم هو عيشة الصحراء وأحوالها وكل ما وفق إلى معرفته هو ما أمكنه أن يشاهده بعينيه ويتلقى بفؤاده من هذا الكون العديم النهاية. أنه لم يعرف من العالم ولا من علومه إلا ما تيسّر له أن يبصره بنفسه أو يصل إلى سمعه فى ظلمات صحراء العرب، ولم يضره.. أنه لم يعرف علوم العالم لا قديمها ولا حديثها لأنه كان بنفسه غنيّا عن كل ذلك. ولم يقتبس محمدﷺ- من نور أى إنسان آخر ولم يغترف من مناهل غيره ولم يك فى جميع أشباهه من الأنبياء والعظماء- أولئك الذين أشبههم بالمصابيح الهادية فى ظلمات الدهور- من كان بين محمدﷺ- وبينه أدنى صلة وإنما نشأ وعاش
_________________
(١) توماس كارلايل Th.Carlyle (١٨٨١ -١٧٩٥) الكاتب الإنجليزى المعروف. من آثاره: (الأبطال (١٩٤٠)، وقد عقد فيه فصلا رائعا عن النبىﷺ-، الثورة الفرنسية) .. إلخ.
(٢) الأبطال: ص ٤٣.
[ ١٤١ ]
وحده فى أحشاء الصحراء.. بين الطبيعة وبين أفكاره» «١» .
«لوحظ على محمدﷺ- منذ «صباه» أنه كان شابا مفكرا وقد سمّاه رفقاؤه الأمين- رجل الصدق والوفاء- الصدق فى أفعاله وأقواله وأفكاره. وقد لاحظوا أنه ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة. وإنى لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت يسكت حيث لا موجب للكلام، فإذا نطق فما شئت من لبّ.. وقد رأيناه طول حياته رجلا راسخ المبدأ صارم العزم بعيد الهمة كريما برّا رؤوفا تقيّا فاضلا حرّا، رجلا شديد الجدّ مخلصا، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة، جمّ البشر والطلاقة حميد العشرة حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان على العموم تضىء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق..
وكان ذكى اللب، شهم الفؤاد.. عظيما بفطرته، لم تثقفه مدرسة ولا هذبه معلم وهو غنى عن ذلك.. فأدى عمله فى الحياة وحده فى أعماق الصحراء» «٢» .
«.. ومما يبطل دعوى القائلين أن محمداﷺ- لم يكن صادقا فى رسالته.. أنه قضى عنفوان شبابه وحرارة صباه فى تلك العيشة الهادئة المطمئنة مع خديجةرضي الله عنها- لم يحاول أثناءها إحداث ضجة ولا درى، مما يكون وراءه ذكر وشهرة وجاه وسلطة.. ولم يكن إلا بعد أن ذهب الشباب وأقبل المشيب أن فار بصدره ذلك البركان الذى كان هاجعا وثار يريد أمرا جليلا وشأنا عظيما» «٣» .
« لقد كان فى فؤاد ذلك الرجل الكبيرﷺ- ابن القفار والفلوات العظيم النفس، المملوء رحمة وخيرا وحنانا وبرا وحكمة وحجى ونهى، أفكار غير الطمع الدنيوى، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه. وكيف وتلك نفس صامتة كبيرة ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين؟ فبينما نرى آخرين يرضون بالاصطلاحات الكاذبة ويسيرون طبق اعتبارات باطلة. إذ نرى محمداﷺ- لم يرض أن يتلفع بالأكاذيب والأباطيل. لقد كان منفردا
_________________
(١) نفسه، ص ٥.
(٢) نفسه، ص ٥٠، ٥١.
(٣) نفسه، ص ٥١.
[ ١٤٢ ]
بنفسه العظيمة وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سرّ الوجود يسطع لعينيه بأهواله ومخاوفه ومباهره، ولم يكن هنالك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه، فكأنه لسان حال ذلك السرّ يناجيه: هأنذا، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهى مقدس، وما كلمة مثل هذا الرجل إلا صوت خارج من صميم قلب الطبيعة، فإذا تكلم فكل الآذان برغمها صاغية وكل القلوب واعية. وكل كلام ما عدا ذلك هباء وكل قول جفاء..» «١» .
«إنى لأحب محمداﷺ- لبراءة طبعه من الرأى والتصنّع. ولقد كان ابن القفار هذا رجلا مستقل الرأى لا يعول إلا على نفسه ولا يدعى ما ليس فيه ولم يكن متكبرا ولكنه لم يكن ذليلا، فهو قائم فى ثوبه المرقع كما أوجده الله وكما أراده، يخاطب بقوله الحرّ المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة وللحياة الآخرة. وكان يعرف لنفسه قدرها..
وكان رجلا ماضى العزم لا يؤخر عمل اليوم إلى غد..» «٢» .
_________________
(١) نفسه، ص ٥١، ٥٢.
(٢) نفسه، ص ٦٤
[ ١٤٣ ]