«اصطبغت شخصية محمدﷺ- بصبغة تاريخية قد لا تجدها عند أى مؤسس آخر من مؤسسى الديانات الكبرى» «٢» .
«يبدو للمؤرخ المنصف أن محمداﷺ- كان فى عداد الشخصيات النبيلة السامية التى سعت فى كثير من الحماس والإخلاص إلى النهوض بالبيئة التى عاش فيها أخلاقيا وفكريا، كما استطاع فى الوقت نفسه أن يكيف رسالته حسب طباع الناس وتقاليدهم بمزيد من الفهم والتنظيم بحيث كفل البقاء والخلود للرسالة التى بشر بها. وحتم علينا أن نلقى محمداﷺ- بعواطف الإجلال والاحترام لما تحلى به من سمو الإلهام ومن قدرة على تذليل العقبات الإنسانية عامة والتغلب على مصاعبه الشخصية خاصة. وربما أثارت فينا بعض جوانب حياته شيئا من الارتباك تبعا لعقليتنا المعاصرة. فقد أكدت المهاترات على شهوات الرسولﷺ- الدنيوية وألمحت إلى زوجاته التسع اللائى اتخذهن بعد وفاة خديجة. لكن الثابت أن معظم هذه الصلات الزوجية قد طبعت بطابع سياسى، وأنها استهدفت الحصول على ولاء بعض الأشراف وبعض الأفخاذ. ثم إن العقلية العربية تقرّ الإنسان إذا استخدم طبيعته على نحو ما خلقها الله» «٣» .
_________________
(١) كلود كاهن Cl.Cahen: ولد عام ١٩٠٩ م، وتخرج باللغات الشرقية من السوربون ومدرسة اللغات الشرقية ومدرسة المعلمين العليا، وعين محاضرا فى مدرسة اللغات الشرقية فى باريس (١٩٣٨)، وأستاذا لتاريخ الإسلام فى كلية الآداب بجامعة ستراسبورغ (١٩٤٥)، وفى جامعة باريس. من آثاره: عدد كبير من الدراسات والأبحاث فى المجلات الشهيرة، وحقق العديد من النصوص التاريخية المهمة، كما أنجز عددا من المؤلفات عن الحروب الصليبية.
(٢) تاريخ العرب والشعوب الإسلامية، ١/ ١٤.
(٣) نفسه، ١/ ١٨.
[ ١٤٤ ]
«.. الحق أننا نتجاوز النقد العلمى الصحيح إذا نحن أنكرنا على كل حديث صحته أو قدمه. ولقد باشر العلماء بمثل هذا التمحيص منذ عهد بعيد فوجدوا أن التحريف أو التلفيق قد لا يعمّان على نسق واحد واستندوا فى ذلك إلى بعض الأحاديث التى يمكن اعتبارها سابقة أو حجة يعتد بها. بمعنى أن الموقف النقدى مفروض على الباحث المنصف. وفقهاء المسلمين أنفسهم هم قدوة لنا فى هذا المضمار لأنهم- على طريقتهم- قد التزموا بذلك الموقف منذ العصر الوسيط» «١» .