«.. كانت حملة كبيرة على سوريا.. رهن الإعداد، عندما أسكت الموت إلى الأبد صوت النبىﷺ- الذى كان قد أحدث هذه الهزة العميقة فى تلك القلوب كلها، والذى كان مقدرا له أن يستهوى عما قريب شعوبا أخرى تقيم فى مواطن أكثر إمعانا فى البعد.. وكان فى السنة الحادية عشرة من الهجرة» «١» .
«كان محمدﷺ- المتمسك دائما بالمبادئ الإلهية شديد التسامح، وبخاصة نحو أتباع الأديان الموحدة. لقد عرف كيف يتذرع بالصبر مع الوثنيين، مصطنعا الأناة دائما اعتقادا منه بأن الزمن سوف يتم عمله الهادف إلى هدايتهم وإخراجهم من الظلام إلى النور.. لقد عرف جيدا أن الله لابد أن يدخل آخر الأمر إلى القلب البشرى» «٢» .
«حاول أقوى أعداء الإسلام، وقد أعماهم الحقد، أن يرموا نبى اللهﷺ ببعض التهم المفتراة. لقد نسوا أن محمدا كان قبل أن يستهل رسالته موضع الإجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانته وطهارة حياته. ومن عجب أن هؤلاء الناس لا يجشمون أنفسهم عناء التساؤل كيف جاز أن يقوى محمدﷺ- على تهديد الكاذبين والمرائين، فى بعض آيات القرآن اللاسعة بنار الجحيم الأبدية، لو كان هو قبل ذلك (وحاشاه) رجلا كاذبا؟ كيف جرؤ على التبشير، على الرغم من إهانات مواطنيه، إذا لم يكن ثمة قوى داخلية تحثه، وهو الرجل
_________________
(١) المصدر السابق، ص ٣٣.
(٢) نفسه، ص ٧٣.
[ ١٣٧ ]
ذو الفطرة البسيطة حثا موصولا؟ كيف استطاع أن يستهل صراعا كان يبدو يائسا؟ كيف وفق إلى أن يواصل هذا الصراع أكثر من عشر سنوات، فى مكة، فى نجاح قليل جدا، وفى أحزان لا تحصى، إذا لم يكن مؤمنا إيمانا عميقا يصدق رسالته؟ كيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكبير من المسلمين النبلاء والأذكياء، وأن يؤازروه، ويدخلوا فى الدين الجديد ويشدوا أنفسهم بالتالى إلى مجتمع مؤلف فى كثرته من الأرقاء، والعتقاء، والفقراء المعدمين إذا لم يلمسوا فى كلمته حرارة الصدق؟ ولسنا فى حاجة إلى أن نقول أكثر من ذلك، فحتى بين الغربيين يكاد ينعقد الإجماع على أن صدق محمدﷺ- كان عميقا وأكيدا» «١» .
«دعا الرسول العربىﷺ- بصوت ملهم باتصال عميق بربه، دعا عبدة الأوثان، وأتباع نصرانية ويهودية محرّفتين على أصفى عقيدة توحيدية.
وارتضى أن يخوض صراعا مكشوفا مع بعض نزعات البشر الرجعية التى تقود المرء إلى أن يشرك بالخالق آلهة أخرى » «٢» .
«.. إن محمداﷺ- طوال سنين الشباب التى تكون فيها الغريزة الجنسية أقوى ما تكون، وعلى الرغم من أنه عاش فى مجتمع كمجتمع العرب، حيث كان الزواج، كمؤسسة اجتماعية، مفقودا أو يكاد، وحيث كان تعدد الزوجات هو القاعدة، وحيث كان الطلاق سهلا إلى أبعد الحدود، لم يتزوج إلا من امرأة واحدة ليس غير، هى خديجةرضي الله عنها- التى كانت سنّها أعلى من سنّه بكثير، وأنه ظل طوال خمس وعشرين سنة زوجها المخلص المحب، ولم يتزوج كرة ثانية، وأكثر من مرة، إلا بعد أن توفيت خديجة، وإلا بعد أن بلغ الخمسين من عمره. لقد كان لكل زواج من زيجاته هذه سبب اجتماعى أو سياسى، ذلك بأنه قصد من خلال النسوة اللاتى تزوجهن إلى تكريم النسوة المتصفات بالتقوى، أو إلى إنشاء علاقة زوجية مع بعض العشائر والقبائل الآخرى ابتغاء
_________________
(١) نفسه، ص ٣٧- ٣٨.
(٢) نفسه، ص ٤٣.
[ ١٣٨ ]
طريق جديد لانتشار الإسلام وباستثناء عائشةرضي الله عنها- ليس غير، تزوج محمد ﷺ- من نسوة لم يكنّ لا عذارى، ولا شابات، ولا جميلات، فهل كان ذلك شهوانية؟ لقد كان رجلا لا إلها. وقد تكون الرغبة فى الولد هى التى دفعته أيضا إلى الزواج من جديد، لأن الأبناء الذين أنجبتهم خديجةرضي الله عنها- له كانوا قد ماتوا. ومن غير أن تكون له موارد كثيرة أخذ على عاتقه النهوض بأعباء أسرة ضخمة، ولكنه التزم دائما سبيل المساواة الكاملة نحوهن جميعا، ولم يلجأ قط إلى اصطناع حق التفاوت مع أى منهن. لقد تصرف متأسّيا بسنة الأنبياء القدامى﵈-، مثل موسى وغيره، الذين لا يبدو أن أحدا من الناس يعترض على زواجهم المتعدد. فهل يكون مرد ذلك إلى أننا نجهل تفاصيل حياتهم اليومية، على حين نعرف كل شيء عن حياة محمدﷺ- العائلية؟» «١» .
_________________
(١) نفسه، ص ٩٩- ١٠٠.
[ ١٣٩ ]