«.. ما كان محمدﷺ- كاحاد الناس فى خلاله ومزاياه، وهو الذى اجتمعت له آلاء الرسل ﵈، وهمة البطل، فكا حقا على المنصف أن يكرم فيه المثل، ويحيّى فيه الرجل» «٢» .
«لا تأليه ولا شبهة تأليه فى معنى النبوة الإسلامية.. وقد درجات شعوب الأرض على تأليه الملوك والأبطال والأجداد، فكان الرسل أيضا معرضين لمثل ذلك الربط بينهم وبين الألوهية بسبب من الأسباب، فما أقرب الناس لو تركوا لأنفسهم أن يعتقدوا فى الرسول أو النبى أنه ليس بشرا كسائر البشر وأن له صفة من صفات الألوهية على نحو من الأنحاء. ولذا نجد توكيد هذا التنبيه متواترا مكررا فى آيات القرآن، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ (الكهف: ١١٠)، وفى تخير كلمة (مثلكم) معنى مقصود به التسوية المطلقة، والحيلولة دون الارتفاع بفكرة النبوة أو الرسالة فوق مستوى البشرية بحال من الأحوال. بل نجد ما هو أصرح من هذا المعنى فيما جاء بسورة الشورى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ (الشورى: ٤٨)، وظاهر فى هذه الآية تعمد تنبيه الرسول نفسهﷺ- إلى حقيقة مهمته، وحدود رسالته التى كلف بها، وليس له أن يعدوها، كما أنه ليس للناس أن يرفعوه فوقها» «٣» .
_________________
(١) د. نظمى لوقا Dr.N.luka مسيحى من مصر. يتميز بنظرته الموضوعية وإخلاصه العميق للحق. ورغم إلحاح أبويه على تنشئته على المسيحية منذ كان صبيا، فإنه كثيرا ما كان يحضر مجالس شيوخ المسلمين ويستمع بشغف إلى كتاب الله وسيرة الرسول﵇-. بل إنه حفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز العاشرة من عمره. ألف عددا من الكتب أبرزها «محمد الرسالة والرسول»، و«محمد فى حياته الخاصة» .
(٢) محمد الرسالة والرسول، ص ٢٨.
(٣) محمد الرسالة والرسول، ص ٨٥- ٨٦.
[ ١٥٥ ]
«.. رجل فرد هو لسان السماء. فوقه الله لا سواه. ومن تحته سائر عباد الله من المؤمنين. ولكن هذا الرجل يأبى أن يداخله من ذلك كبر. بل يشفق، بل يفرق من ذلك ويحشد نفسه كلها لحرب الزهو فى سريرته، قبل أن يحاربه فى سرائر تابعيه. ولو أن هذا الرسولﷺ- بما أنعم من الهدايا على الناس وما تم له من العزة والأيادى، وما استقام له من السلطان، اعتد بذلك كله واعتزّ، لما كان عليه جناح من أحد، لأنه إنما يعتد بقيمة ماثلة، ويعتز بمزية طائلة، يطريه أصحابه بالحق الذى يعلمون عنه، فيقول لهم: لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله. ويخرج على جماعة من أصحابه فينهضون تعظيما له، فينهاهم عن ذلك قائلا: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا» «١» .
«ماذا بقى من مزعم لزاعم؟ إيمان امتحنه البلاء طويلا قبل أن يفاء عليه بالنصر وما كان النصر متوقعا أو شبه متوقع لذلك الداعى إلى الله فى عاصمة الأوثان والأزلام.. ونزاهة ترتفع فوق المنافع، وسمو يتعفف عن بهارج الحياة، وسماحة لا يداخلها زهو أو استطالة بسلطان مطاع. لم يفد. ولم يورث آله، ولم يجعل لذريته وعشريته ميزة من ميزات الدنيا ونعيمها وسلطانها.
وحرم على نفسه ما أحلّ لآحاد الناس من أتباعه، وألغى ما كان لقبيلته من تقدم على الناس فى الجاهلية حتى جعل العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش. لم يمكن لنفسه ولا لذويه، وكانت لذويه بحكم الجاهلية صدارة غير مدفوعة، فسوّى ذلك كله بالأرض، أى قالة بعد هذا تنهض على قدمين لتطاول هذا المجد الشاهق أو تدافع هذا الصدق الصادق؟ لا خيرة فى الأمر، ما نطق هذا الرسول عن الهوى وما ضلّ وما غوى.. وما صدق بشر إن لم يكن هذا الرسول بالصادق الأمين..» «٢» .
«أى الناس أولى بنفى الكيد عن سيرته من (أبى القاسم) - ﷺ- الذى
_________________
(١) نفسه، ص ١٧٩- ١٨٠.
(٢) نفسه، ص ١٨٣- ١٨٦.
[ ١٥٦ ]
حول الملايين من عبادة الأصنام الموبقة إلى عبادة الله رب العالمين، ومن الضياع والانحلال إلى السموّ والإيمان، ولم يفد من جهاده لشخصه أو آله شيئا مما يقتتل عليه طلاب الدنيا من زخارف الحطام؟» «١» .
«كان محمدﷺ- يملك حيويته ولا تملكه حيويته. ويستخدم وظائفه ولا تستخدمه وظائفه. فهى قوة له تحسب فى مزاياه، وليست ضعفا يعد فى نقائصه، لم يكنﷺ- معطل النوازع ولكنها لم تكن نوازع تعصف به، لأنه يسخرها فى كيانه فى المستوى الذى يكرم به الإنسان حين يطلب ما هو جميل وجليل فى الصورة الجميلة الجليلة التى لا تهدر من قدره بل تضاعف من تساميه وعفته وطهره. وبيان ذلك فى أمر بنائه بزوجاته التسعرضي الله عنهن..» «٢» .
_________________
(١) محمد فى حياته الخاصة، ص ١٢.
(٢) نفسه، ص ٣٩- ٤٠، ويمكن للقارئ أن يرجع للكتاب نفسه (محمد فى حياته الخاصة)، فهو بمجمله يمكن أن يعدّ شهادة قيّمة على حياة الرسولﷺ- العائلية الخاصة.
[ ١٥٧ ]