«سبق أن كتب كل شيء عن نبى الإسلامﷺ-، فأنوار التاريخ تسطع على حياته التى نعرفها فى أدق تفاصيلها. والصورة التى خلفها محمدﷺ- عن نفسه تبدو، حتى وإن عمد إلى تشويهها، علمية فى الحدود التى تكشف فيها وهى تندمج فى ظاهرة الإسلام عن مظهر من مظاهر المفهوم الدينى وتتيح إدراك عظمته الحقيقية » «١» .
«لم يكن محمدﷺ- على الصعيد التاريخى مبشرا بدين وحسب بل كان كذلك مؤسس سياسة غيّرت مجرى التاريخ، وأثرت فى تطور انتشار الإسلام فيما بعد على أوسع نطاق » «٢» .
«منذ استقر النبى محمدﷺ- فى المدينة، غدت حياته جزآ لا ينفصل من التاريخ الإسلامى. فقد نقلت إلينا أفعاله وتصرفاته فى أدق تفاصيلها..
ولما كان منظما شديد الحيوية، فقد أثبت نضالية فى الدفاع عن المجتمع الإسلامى الجنينى، وفى بث الدعوة وبالرغم من قتاليته ومنافحته، فقد كان يعفو عند المقدرة، لكنه لم يكن يلين أو يتسامح مع أعداء الدين. ويبدو أن مزايا النبى الثلاث، الورع والقتالية والعفو عند المقدرة قد طبعت المجتمع الإسلامى فى إبان قيامه وجسّدت المناخ الروحى للإسلام وكما يظهر التاريخ الرسولﷺ- قائدا عظيما ملء قلبه الرأفة، يصوره كذلك رجل دولة صريحا قوى الشكيمة له سياسته الحكيمة التى تتعامل مع الجميع على قدم المساواة وتعطى كل صاحب حق حقه. ولقد استطاع بدبلوماسيته ونزاهته أن ينتزع الاعتراف بالجماعة الإسلامية عن طريق المعاهدات فى الوقت الذى كان
_________________
(١) إنسانية الإسلام، ص ٤٠- ٤١.
(٢) نفسه، ص ٤٢.
[ ١١٤ ]
النصر العسكرى قد بدأ يحالفه. وإذا تذكرنا أخيرا على الصعيد النفسانى هشاشة السلطان الذى كان يتمتع به زعيم من زعماء العرب، والفضائل التى كان أفراد المجتمع يطالبونه بالتحلى بها، استطعنا أن نستخلص أنه لا بدّ أن يكون محمدﷺ- الذى عرف كيف ينتزع رضا أوسع الجماهير به إنسانا فوق مستوى البشر حقا، وأنه لابد أن يكون نبيا حقيقيا من أنبياء الله» «١» .
« لقد كان محمدﷺ- نبيا لا مصلحا اجتماعيا. وأحدثت رسالته فى المجتمع العربى القائم آنذاك تغييرات أساسية لا تزال آثارها ماثلة فى المجتمع الإسلامى المعاصر..» «٢» .
« مما لا ريب فيه أن محمداﷺ- قد اعتبر، بل كان فى الواقع، ثائرا فى النطاق الذى كان فيه كل نبى ثائرا بوصفه نبيا، أى بمحاولته تغيير المحيط الذى يعيش فيه..» «٣» .
_________________
(١) إنسانية الإسلام، ص ٤٦.
(٢) نفسه، ص ٦١.
(٣) نفسه، ص ٦٦.
[ ١١٥ ]