الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد النبى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد،، كان محمدﷺ- خير الخلق فى طفولته، وأطهر المطهرين فى شبابه، وأنجب البرية فى كهولته، وأزهد الناس فى حياته، وأعدل القضاة فى قضائه، وأشجع قائد فى دفاعه عن الحق، وخير قدوة للمصلحين، وخير أسوة للمربين.
اختصه الله بكل خلق نبيل، وحرسه بعنايته، وحفظه برعايته، وأيده بجوامع الكلم، مع الفصاحة وقوة الحجة، وأمر العالمين بطاعته، وجعل طاعته ﷺ مقرونة بطاعته تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (النساء: ٨٠)
كما عصمه من كل خطأ ومن الناس: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة: ٦٧) .
وطهره من كل دنس، وهداه الصراط المستقيم، ومنح من الآيات والمعجزات مالم يمنحه غيره، وأدبه فأحسن تأديبه، وعلمه ما لم يكن يعلم.
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (الفتح: ٢٨) ولم يسجد ﷺ لصنم من الأصنام ولم يشرك فى عيد من أعيادها.
كان محمد مثلا كاملا للإنسان الكامل، ذا شخصية قوية جذابة، لا يدانيه أحد فى كماله وعظمته، وصدقه وأمانته، وزهده وعفته.
[ ٩ ]
اعترف كل من عرفه بعلو نفسه، وصفاء طبعه، وطهارة قلبه، ونبل خلقه، ورجاحة عقله، وتفوق ذكائه، وحضور بديهته، وقوة إرادته، وثبات عزيمته، ولين جانبه، وتمسكه بالحق، وإقامة العدل. فكان خير قدوة للناس جميعا.
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب: ٢١) .
خلقه الله عظيما، فكانت عظمة فطرية طبيعية، وكان عظيما منذ ولادته، عظيما فى صباه، عظيما فى شبابه، عظيما فى رجولته، عظيما فى كهولته، عظيما فى شيخوخته، عظيما فى صغره وكبره، عظيما قبل الرسالة، عظيما بعدها.
خلقه الله عظيما كما شاء ليعده لأداء رسالته، وهو فى الأربعين فأداها خير أداء. وكان رسولا وهاديا للبشرية المتنازعة المتنافرة، وقدوة مثالية سامية للناس كافة.
ولقد تعرض الأنبياء والرسل الكرام ﵈ للتكذيب والتنكيل حتى وصل الأمر إلى درجة قتل بعضهم. ويبين تاريخ الرسالات الإلهية الكبرى أن أنبياء الله الذين حملوها إلى الناس قد تعرضوا لكثير من صنوف الآلام والمحن والعذاب على أيدى الذين حسبوهم من الكاذبين وما أفظعها من تهمة خاصة حين يقذف بها وجوه أصدق الناس حديثا ويزداد الأمر سوآ وتشتد المحنة عند ما يأتى التكذيب والسخرية من الأهل والعشيرة والأصحاب.
فها هى التوراة تقول إن موسى تعرض للنقد الجارح من أخيه هارون وأخته مريم عندما تزوج ثانية من امرأة سمراء أعجبته: «وتكلمات مريم وهارون على موسى بسبب المرأة الكوشية التى اتخذها لأنه كان قد اتخذ امرأة كوشية فحمى غضب الرب عليهما.. فالتفت هارون إلى مريم وإذا هى برصاء فقال هارون لموسى: أسألك يا سيدى لا تجعل علينا الخطيئة التى جمعتتا وأخطأنا بها» (سفر الأعمال ١٢: ١- ١١) .
[ ١٠ ]
وها هو المسيح يشك فيه أقرباؤه ويعتبرونه مختل العقل: «ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه، لأنهم قالوا إنه مختل» (إنجيل مرقس ٣: ٢١)، وكان إخوته- أبناء أمه مريم حسب رواية الإنجيل- يشكون فيه: «قال له إخوته: انتقل من هنا واذهب إلى اليهودية لكى يرى تلاميذك أيضا الأعمال التى تعمل،.. لأن إخوته أيضا لم يكونوا يؤمنون به» (إنجيل يوحنا ٧: ٣- ٥)، «وحين سمع كثير من تلاميذه بعض مواعظه فإنهم ارتدوا عنه وتركوا صحبته فلم يبق معه إلا اثنا عشر حواريا، قال كثير من تلاميذه إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه. فقال يسوع للاثنى عشر. ألعلكم أنتم أيضا تريدون أن تمضوا؟» (إنجيل يوحنا ٦: ٦٠- ٦٦) .
وقد سجل القرآن الكريم افتراآت الكفار والمشركين على الإسلام ونبيه محمدﷺ- حتى حديث الإفك ضد زوجه عائشة جعله الله قرآنا يتلى، ولو كان الأمر بيد النبىﷺ- لنحاه جانبا. ولكنه عبد لله مأمور قال له ربه: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ (آل عمران: ١٢٨)، إذ (إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ (آل عمران: ١٥٤) . وهذه بعض مفترياتهم على رسول الله محمدﷺ- والسخرية منه.