إن من المهم قبل دراسة الموقف الفكرى الغربى من النبىﷺ- أن نبين أن الغرب ليس كيانا واحدا فيما يتعلق بالسياسات وطبائع الشعوب، ومواقف الدول من العالم العربى والإسلامى. كما أن الغرب ليس كيانا واحدا أيضا فيما يتعلق باهتماماته الدينية ومدى اقترابه أو ابتعاده عن دعوة ورسالة نبى الله عيسى﵇-. فليس كل الغرب متدينا وليس كل الغرب علمانيا أيضا، وهناك فوارق كبيرة بين المدارس والمذاهب الدينية المختلفة داخل المسيحية فى الغرب.
لكن رغم كل هذا التباين والاختلاف فى السياسات والطبائع والتوجهات، إلا أن الغرب يكاد يكون كيانا واحدا عند ما يتعلق الأمر بالجوانب الفكرية المتعلقة بعلاقاته مع الحضارات الآخرى والديانات التى تختلف عن ديانات الغرب. فرغم تعدد المدارس الفلسفية والفكرية فى الغرب، إلا أن هناك قدرا مشتركا وواضحا من المفاهيم الفكرية الأساسية عندما يتعلق الأمر بالرؤى المقابلة حول مستقبل البشرية وهدف الإنسان من الحياة على الأرض. لذلك فإن من الممكن أن يتم الحديث عن الغرب بوصفه كيانا واحدا عندما يتعلق الأمر بالحياة الفكرية الغربية فى مقابل الحضارات الآخرى.
[ ٤٧ ]
وسوف تتعامل هذه الدراسة مع الغرب ككيان فكرى واحد من ناحية المنطلقات الأساسية للحضارة الغربية، والمبادئ التى قامت هذه الحضارة عليها، وعلاقة ذلك بموقف الغرب من النبىﷺ-.