«إن أشد ما نتطلع إليه بالنظر إلى الديانة الإسلامية ما اختص منها بشخص النبىﷺ- ولذلك قصدت أن يكون بحثى أولا فى تحقيق شخصيته وتقرير حقيقته الأدبية علّنى أجد فى هذا البحث دليلا جديدا على صدقه وأمانته المتفق تقريبا عليها بين جميع مؤرخى الديانات وأكبر المتشيعين للدين المسيحى» «١» .
«ثبت إذن أن محمداﷺ- لم يقرأ كتابا مقدسا ولم يسترشد فى دينه بمذهب متقدم عليه..» «٢» .
«.. ولقد نعلم أن محمداﷺ- مرّ بمتاعب كثيرة وقاسى آلاما نفسية كبرى قبل أن يخبر برسالته، فقد خلقه الله ذا نفس تمحّضت للدين ومن أجل ذلك احتاج إلى العزلة عن الناس لكى يهرب من عبادة الأوثان ومذهب تعدد الآلهة الذى ابتدعه المسيحيون وكان بغضهما متمكنا من قلبه وكان وجود هذين المذهبين أشبه بإبرة فى جسمهﷺ- ولعمرى فيم كان يفكر ذلك الرجل الذى بلغ الأربعين وهو فى ريعان الذكاء ومن أولئك الشرقيين الذين امتازوا فى العقل بحدة التخيّل وقوة الإدراك إلا أن يقول مرارا ويعيد تكرارا هذه الكلمات (الله أحد الله أحد) . كلمات رددها المسلمون أجمعون من بعده وغاب عنا معشر المسيحيين مغزاها لبعدنا عن فكرة التوحيد..» «٣» .
«.. لو رجعنا إلى ما وضحه الحكماء عن النبوة ولم يقبل المتكلمون من المسيحيين لأمكننا الوقوف على حالة مشيد دعائم الإسلام وجزمنا بأنه لم يكن من المبتدعين.. ومن الصعب أن تقف على حقيقة سماعه لصوت جبريل﵇
_________________
(١) الإسلام: خواطر وسوانح، ص ٦.
(٢) نفسه، ص ١٦.
(٣) نفسه، ص ١٦- ١٧.
[ ١٢٥ ]
- إلا أن معرفة هذه الحقيقة لا تغير موضوع المسألة لأن الصدق حاصل فى كل حال» «١» .
«لا يمكن أن ننكر أن محمداﷺ- فى الدور الأول من حياته فى كمال إيمانه وإخلاص صدقه، فأما الإيمان فلن يتزعزع مثقال ذرة من قلبه الدور الثانى (الدور المدنى) وما أوتيه من نصر كان من شأنه أن يقويه على الإيمان لولا أن الاعتقاد كله قد بلغ منه مبلغا لا محل للزيادة فيه.. وما كان يميل إلى الزخارف ولم يكن شحيحا.. وكان قنوعا خرج من (الدنيا) ولم يشبع من خبز الشعير مرة فى حياته.. تجرد من الطمع وتمكن من نوال المقام الأعلى فى بلاد العرب ولكنه لم يجنح إلى الاستبداد فيها، فلم يكن له حاشية ولم يتخذ وزيرا ولا حشما، وقد احتقر المال » «٢» .
_________________
(١) نفسه، ص ٢١.
(٢) نفسه، ص ٢٤.
[ ١٢٦ ]