إن كل تساؤل وانشغال كبير بالآخر إنما يعكس فى طياته هوسا بهذا الآخر. وقد قدم الإسلام منذ ظهوره ذلك «الآخر» الذى عرفت أوربا نفسها وطموحاتها من خلال مقابلته والمصادمات معه. فرغم أن الإسلام فى بداية انتشاره لم يول الغرب أى اهتمام- لتخلف الغرب حينها- إلا أن الإسلام وشخصية النبى محمد بوصفها تجسيدا للكمال الإنسانى لدى أنصار الإسلام قد أصبحا محور الهجوم المستمر لمفكرى الغرب لتأكيد فكرة أن الغرب أفضل من الشرق. حقا إن أوربا قد تخلت عن الفكرة المسيحية، ولكنها لا تستطيع أن تتحرر مطلقا من أثر الفكر المسيحى على شعوبها. وهذا الفكر المسيحى الغربى قد توحد عبر القرون الماضية حول فكرة معاداة الإسلام، وتقديم نموذج شخصية المسيح ﵇- بعد تحريفها- فى مواجهة شخصية النبى محمد ﷺ، وهو ما يفسر الهوس الغربى بالهجوم على النبى.
أما بالنسبة للاتجاه غير المتدين- كما يذكر أحد المفكرين العرب- الذى يؤثر أكثر فأكثر فى الحقيقة الاجتماعية الأوربية بمرور الزمن. فمنذ أن تحررت الفكرة العلمانية من الضغط المسيحى على التأمل العقلانى وعلى الممارسة السياسية، انفتحت نظرة جديدة للكون. هذه النظرة الجديدة مكنت من رؤية
[ ٥٢ ]
الإسلام بعمق، كجزء متمم وهام من الحياة الإنسانية، ولكنه أيضا خصم سياسى وعسكرى عنيد تمثل فى ذلك الوقت فى الإمبراطورية العثمانية.
لذلك استمر العداء رغم اختلاف القوى المحركة له، واستمر الهوس بالعالم الإسلامى. وظهرت الانتقائية الفكرية الغربية التى ترى أن الإمبريالية ليست إلا مهمة حضارية للارتقاء بشعوب الأرض، وأن مقاومتها من قبل المسلمين الذين يتمثلون نبيهم ليسوا إلا برابرة يجب القضاء عليهم من أجل استمرار المهمة الحضارية نحو هدفها فى تنقية الجنس البشرى من كل أنواع البرابرة، وعلى رأسهم أنصار محمد.