ويأتى على رأس تلك الكتابات: المشروع الكلونى. وهو أول وأكبر مشروع
[ ٢١ ]
استشراقى يهدف بالدرجة الأولى الإساءة إلى الإسلام. وكتاب لمؤلف مجهول يسمى: الدحض الرباعى، وكتاب آخر لمؤلف مجهول يسمى (المتناقضات) وما كتبه كل من: بدرودى الفونسو، وسان بدرو باسكوال، وريكولدو دى مونت كروس، ورامون مارتى، وريموندلول، ووليم الطرابلسى، ووليم الصورى، ووليم آدم، وجاكيوس دى فترى، وهامبرت الرومانى، وفيدينزو أوف بافيا، وغيرهم كثيرون.
ولا مجال هنا لعرض كل ما كتبته تلك المصادر الأربعة الرئيسية عن الإسلام، فالمادة العلمية التى جمعناها عن كل مصدر تغطى مجلدا كاملا.
وسوف نعرض مجرد نماذج مختصرة لبعض تلك الكتابات حتى نرى كيف تشكلت وتكونت تلك العقيدة الغربية الموروثة عن الإسلام ونبى الإسلام محمد ﵊.
من النصارى الشرقيين يوحنا الدمشقى (٥٥- ١٣١ هـ/ ٦٧٥- ٧٤٩ م) وهو من نصارى الشام، ولد وعاش فى العصر الأموى، وتضلع فى اللاهوت، وكتب كتبا كثيرة، ومن ضمنها كتاب كتبه باليونانية بعنوان الهرطقات. وأفرد فيه فصلا عن الإسلام أطلق عليه اسم (هرطقة الإسماعيليين) ويقصد بالإسماعيليين العرب من أبناء إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وهذا الفصل شديد الطعن، اتهم فيه يوحنا العرب بالهرطقة والضلال والخرافة، واعتبرهم فرقة نصرانية متهرطقة، وزعم أن محمدا ﵊ كان رسولا زائفا ادّعى النبوة زمن الإمبراطور هرقل، بعد أن قرأ العهد القديم والعهد الجديد وتعلّم من راهب أريوسى فتظاهر بالتقوى حتى استمال العرب إليه وأخبرهم أنه تلقى كتابا من السماء، وقدّم فيه تلك الشرائع المضحكة على حد قوله- التى تسمى بالإسلام. ومن التلفيقات التى وضعها يوحنا فى فصله هذا لتشويه صورة النبى ﵊ زعمه الكاذب أن النبى ﵊ دخل إلى بيت زينب بنت جحش فى غياب زوجها فافتتن بها وخرج وهو يقول سبحان مقلب القلوب إلى آخر القصة التى تسربت إلى
[ ٢٢ ]
. ةيدوهيلا ت ادقتعملا ن م ةقرس لاإ وه ام ن آرقلا اذه ن إ ل وقأ انأ. ن آرقلا ى ف ةرم ٠٠٥ ن م رثكأ ى سوم ركذ دقل و. ةيدوهيلا وةينارصنلا ص وصنلا ن م ن آرقلا ن م ٠٨ ن إ «» ةمخض ةليح وةعيدخ لاإ س يل ى صخشلا ى يأر ى ف) دمحم (ل جرلا اذه هـ يلإ وعدي ام ن إ «.. ق يرط ع طاق واصل ن اك هـ نإ دح ى صقأ ى لإ ب صعتم ل جر هـ نإ.. ن يكرشملا ل تق ى لإ هـ موق وعدي ن اك هـ نإ، ن آرقلا ى ف دمحم هـ بتك ام أرقت ن أوه ك يلع ام ل ك «: ى لي ام ل اق Fax Newss ةيرابخإلا س كوف ةانق ى ف Hannity and Colmess زملوك وى تناه ج مانرب ل لاخ ن م م لاسلا وةلاصلا هـ يلع ى بنلا ى لع هـ موجه ى ف وReqent University ت نجير ةعماج ى هـ ةيلوصأ ةعماج اضيأ ك لمي و) Christias
ثم استدار محمد بعد ذلك ليقتل اليهود والنصارى فى المدينة. أنا أقصد.. أن هذا الرجل (محمد) كان قاتلا (سافكا للدماء)» - قطع الله لسان (روبرتسون) وإنا أنقل هذا ليعلم المنصفون مدى افتراء هذا الأفاك- وسنثبت بعد قليل أن هذا القسيس بات روبرتسون هو اللص والسارق عندما نورد أقوال الرهبان المتعصبين فى العصور الوسطى ليتبين للقارئ الكريم مدى تطابق أقوال هذا
[ ٢٣ ]
المأفون مع أقوال عصر الظلمات فى أوربا فى العصور الوسطى ونقله لأقوالهم وأفكارهم.
٣- فرانكلين جراهام:Franklin Graham وهو ابن القسيس الأمريكى بيلى جراهام وقد عمل والده قسيسا خاصا للرؤساء الأمريكيين منذ عهد ريتشارد نيكسون، وحتى الرئيس الأمريكى السابق بيل كلينتون. ويتولى ابنه فرانكلين جراهام الآن نفس المهمة بعد تقاعد الأب، وقام بعمل الطقوس الدينية لتنصيب الرئيس الأمريكى الحالى جورج دبليو بوش. ويتولى جميع مسئوليات الكنيسة التى أنشأها أبوه والتى تعد من أكبر الكنائس الأمريكية عددا وتأثيرا، وقامت خلال السنوات الماضية بأكثر من ٤٥٠ حملة تنصير فى جميع أنحاء العالم. وقد أدلى فرانكلين جراهام بتصريحات إعلامية قال فيها إن الإرهاب جزء من التيار العام للإسلام، وأن القرآن (يحض على العنف) وكرر جراهام خلال برنامج (هاينتى وكولمز) المذاع على قناة فوكس نيوز الأمريكية فى الخامس من أغسطس ٢٠٠٢ م رفضه الاعتذار عن تصريحات أدلى بها بعد حوادث سبتمبر ٢٠٠١ م وصف فيها الإسلام بأنه دين (شرير) وفى كتاب جديد لفرانكلين جراهام يسمى (الاسم، The name (يحتوى على نصوص تتسم بالسفه والحطة بهدف الإساءة إلى الإسلام ومنها ما يلى: فى الصفحة رقم ٧١ يقول: «الإسلام.. أسّس بواسطة فرد بشرى مقاتل يسمى محمدا، وفى تعاليمه ترى تكتيك (نشر الإسلام من خلال التوسع العسكرى)، ومن خلال العنف إذا كان ضروريا، من الواضح أن هدف الإسلام النهائى هو السيطرة على العالم» ويقول فى الصحفة ٧٢ من كتابه إن «القرآن يحتوى على قصص أخذت وحرّفت عن العهدين القديم والجديد.. لم يكن للقرآن التأثير الواسع على الثقافتين الغربية والمتحضرة الذى كان للإنجيل. الاختلاف رقم واحد بين الإسلام والمسيحية أن إله الإسلام ليس إله الديانة المسيحية» .
٤- جيرى فاينز:Jerry Vines وهو راعى كنيسة فى جاكسون يل فى فلوريدا، يصل عدد أتباعها إلى ٢٥ ألف شخص، وهو من أبرز المتحدثين
[ ٢٠ ]
الأمريكيين فى المؤتمر السنوى للكنائس المعمدانية الجنوبية، وهو أكبر مؤتمر دينى يعقد كل عام. وقام الرئيس الحالى والرئيس السابق بمدح هذا القسيس واعتباره من المتحدثين بصدق عن دينهم وقد أدلى جيرى فاينز بتصريحات تتصف بالقذارة والسفه مليئة بالكراهية والحقد على الإسلام خلال الاجتماع السنوى للكنيسة المعمدانية الجنوبية، والذى عقد مؤخرا فى مدينة سانت لويس بولاية ميسورى الأمريكية.
وخلال الاجتماع افترى جيرى فينزى على الرسول ﵊ واتهمه زورا وبهتانا بأنه «شاذ يميل للأطفال ويتملكه الشيطان، وتزوج من ١٢ زوجة آخرهن طفلة عمرها تسع سنوات» وأضاف فاينز أن «الله (الذى يؤمن به المسلمون) ليس الرب الذى يؤمن به المسيحيون» .
هذه الصور الملفقة المشوهة هى عقيدة دينية غربية موروثة ضمن عقائد المجتمع الغربى النصرانى، أصبحت راسخة فى العقل الجمعى الغربى منذ نهاية القرن الثامن الهجرى. وكانت هى المصدر الرئيس للمستشرقين والمنصرين المتعصبين فى العصور الحديثة وهى التى نراها الآن ونسمع بها.
ويمكن أن نوجز مصادر تلك العقيدة الموروثة فى أربعة مصادر رئيسية هى:
١- ما كتبه النصارى الشرقيون وأشهرهم:
يوحنا الدمشقى وتلميذه أبو قرة ويوحنا النقيوسى، ويحيى بن عدى، ومؤلف مجهول لمقالة تسمى الدفاع السريانى.
٢- ما كتبه الكتّاب البيزنطيون (الروم) وعلى رأسهم:
ثيوفانس المعترف، ونيقتاس البيزنطى، وجرمانوس.
٣- المصادر الأسبانية:
وعلى رأسها المقالة الأسبانية عن محمد ﵊ وما كتبه ايزدور الأشبيلى، وأولوخيو، وبول الفارو، وغيرهم.
٤- ما كتبه ولفقه واخترعه الكتاب الغربيون حتى نهاية القرن الثامن الهجرى.
ويأتى على رأس تلك الكتابات: المشروع الكلونى. وهو أول وأكبر مشروع
[ ٢١ ]
استشراقى يهدف بالدرجة الأولى الإساءة إلى الإسلام. وكتاب لمؤلف مجهول يسمى: الدحض الرباعى، وكتاب آخر لمؤلف مجهول يسمى (المتناقضات) وما كتبه كل من: بدرودى الفونسو، وسان بدرو باسكوال، وريكولدو دى مونت كروس، ورامون مارتى، وريموندلول، ووليم الطرابلسى، ووليم الصورى، ووليم آدم، وجاكيوس دى فترى، وهامبرت الرومانى، وفيدينزو أوف بافيا، وغيرهم كثيرون.
ولا مجال هنا لعرض كل ما كتبته تلك المصادر الأربعة الرئيسية عن الإسلام، فالمادة العلمية التى جمعناها عن كل مصدر تغطى مجلدا كاملا.
وسوف نعرض مجرد نماذج مختصرة لبعض تلك الكتابات حتى نرى كيف تشكلت وتكونت تلك العقيدة الغربية الموروثة عن الإسلام ونبى الإسلام محمد ﵊.
من النصارى الشرقيين يوحنا الدمشقى (٥٥- ١٣١ هـ/ ٦٧٥- ٧٤٩ م) وهو من نصارى الشام، ولد وعاش فى العصر الأموى، وتضلع فى اللاهوت، وكتب كتبا كثيرة، ومن ضمنها كتاب كتبه باليونانية بعنوان الهرطقات. وأفرد فيه فصلا عن الإسلام أطلق عليه اسم (هرطقة الإسماعيليين) ويقصد بالإسماعيليين العرب من أبناء إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وهذا الفصل شديد الطعن، اتهم فيه يوحنا العرب بالهرطقة والضلال والخرافة، واعتبرهم فرقة نصرانية متهرطقة، وزعم أن محمدا ﵊ كان رسولا زائفا ادّعى النبوة زمن الإمبراطور هرقل، بعد أن قرأ العهد القديم والعهد الجديد وتعلّم من راهب أريوسى فتظاهر بالتقوى حتى استمال العرب إليه وأخبرهم أنه تلقى كتابا من السماء، وقدّم فيه تلك الشرائع المضحكة على حد قوله- التى تسمى بالإسلام. ومن التلفيقات التى وضعها يوحنا فى فصله هذا لتشويه صورة النبى ﵊ زعمه الكاذب أن النبى ﵊ دخل إلى بيت زينب بنت جحش فى غياب زوجها فافتتن بها وخرج وهو يقول سبحان مقلب القلوب إلى آخر القصة التى تسربت إلى
[ ٢٢ ]
بعض كتب التفسير، وأدرك ابن كثير زيفها فأعرض عن ذكرها فى تفسيره وأشار إلى أنها ملفقة لا تصح.
وكان هدف يوحنا الدمشقى من ذلك التشويه تحصين النصارى من أهل الذمة والحيلولة بينهم فى بلاد الشام وبين اعتناق الإسلام حين رأى تسامح المسلمين مع أهل الذمة، ودخول كثير من النصارى فى الإسلام فلم يجد وسيلة لتثبيت النصارى على دينهم سوى اتهام الإسلام بالهرطقة وتشويه سيرة النبى ﵊، لتكون صورته فى نظر النصارى صورة كريهة حتى لا يقبلوا على اعتناق الإسلام. وقد انتشر هذا الكتاب فى بلاد الدولة البيزنطية (دولة الروم) واستخدمه الكتّاب البيزنطيون فى هجماتهم الفكرية على الإسلام ثم ترجم إلى اللاتينية وأسهم فى صياغة العقيدة الغربية تجاه الإسلام والمسلمين طوال العصور الوسطى وحتى العصر الحاضر.
ومن الكتّاب البيزنطيين نيقتاس البيزنطى الذى عاش فى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى. وكتب كتابا زعم أنه دحض للقرآن الكريم، ذلك أن الإمبراطور البيزنطى ميخائيل الثالث (٢٢٧- ٢٥٤/ ٨٤٢- ٨٦٧) تلقى مقالتين من بعض العلماء المسلمين تفندان مزاعم النصارى بأن الله جل وعلا ابن يشاركه فى أسمائه وصفاته، وبطلان مقولة الأقانيم الثلاثة. فكلّف الإمبراطور نيقتاس بالرد عليه فقام نيقتاس بتأليف رده الذى وصفه بأنه (دحض لكتاب محمد المزوّر) . ولم يكن نيقتاس متضلعا فى اللغة العربية، فقام حسب زعمه بالاطلاع على القرآن، وقام باستعراض سوره من سورة البقرة إلى سورة الكهف، وكل سورة يسميها الأسطورة المحمدية رقم كذا. مثلما هو رقمها فى القرآن- ثم يذكر اسمها. وأصدر حكمه الباطل بأن القرآن يصوّر الله- جل وعلا على شكل كروى كامل، أو على شكل مطرقة معدنية مطروقة فى السماء.
ويبدو أن نيقتاس اقتبس هذا الزعم من المقالة الأسبانية التى سأشير إليها بعد قليل. ثم أخذ يسخر من المسلمين على مناصرتهم لهذا التصور المادى- بزعمه-، وقال بأن محمدا ﵊ قاد المسلمين ليعبدوا فى مكة
[ ٢٣ ]
وثنا مصنوعا على غرار أفروديت- معبود الحب والجمال عند الأغريق- وأنه جعل الشيطان ربا للخلق، وظل يؤكد على أن دين محمد ﵊ دين وثنىّ وأن أتباعه مجرد جماعة من الوثنيين. وكان فى كل سورة يتحدث عنها يوجه السب والشتم إلى النبى ﵊- زاعما- أنه هو الذى وضع القرآن وشحنه بالأساطير، وأنه أمر أتباعه بقتل من يجعل شريكا فى جانب الله، ولذلك وقع معظم ذلك القتل على النصارى الذين يعبدون المسيح ابن الله- بزعمه- وأخذ نيقتاس يحاول تفنيد بعض نصوص القرآن وقصصه عن طريق مقارنتها بنصوص العهدين القديم والجديد. ويبدو فى هذا متأثرا برأى يوحنا الدمشقى، فزعم على سبيل المثال أن إبراهيم الخليل﵇- لم يصل إلى مكة ولم يبن الكعبة، لأن سفر التكوين لم يذكر ذلك. كما حاول نيقتاس أن يستدل على عقيدة الثالوث ببعض آيات القرآن بتأويلها حسب عقيدته. واختتم حديثه بالتأكيد على أن الذى يعبده محمد ﵊ ويدعو إلى عبادته إنما هو الشيطان نفسه. والحق أن كل آراء نيقتاس لا تتعدى هذا الهذيان وقد أوردناها لنرى الأثر الذى أسهمت به فى صياغة العقيدة الغربية تجاه الإسلام والمسلمين خلال العصور الوسطى وإلى الآن.
وقد كان لبعض آراء نيقتاس الزائفة أثرها فى الدولة البيزنطية حتى إن أحد رجال الدين ألف رسالة فى زمن الإمبراطور مانويل كومنين (٥٤٩- ٥٨٥ هـ/ ١١٤٣- ١١٨٠ م) يشجب فيها الدين الإسلامى وفيها يلعن مصنفها (الرب الذى يعبده محمد ﵊) - أستغفر الله تعالى- وقدّم تلك الرسالة للإمبراطور الذي أراد شطب هذه العبارة المقيتة محتجا بأن الرب الذى يعبده محمد ﵊ إنما هو الأب الذى يعبده النصارى فأصر رجال الدين على أن الذى يعبده محمد ﵊ إنما هو إله غير إله المسيحيين. وهذا يوضح إلى أى مدى بقيت هذه العقيدة الزائفة حية حتى اعتنقها وقال بها فرانكلين جراهام وجيرى فاينز كما ذكرنا آنفا.
ومنذ النصف من القرن الثالث الهجرى/ النصف الثانى من القرن التاسع
[ ٢٤ ]
الميلادى أصبح فى مقدور رجال الدين فى الغرب الأوروبى الاطلاع على تلك الصور المشوهة حين ترجم أمين مكتبة البلاط البابوى أنستاسيوس بعض تلك الكتابات، الشرقية والبيزنطية إلى اللاتينية وأدمجها فى حولياته التاريخية.
وفى أواخر القرن الثانى الهجرى/ أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع الميلادى ظهرت مقالة فى أسبانيا فى أحد الأديرة الشمالية، وهى عبارة عن نص هجومى بذئ على النبى ﵊ عرفت باسم المقالة الإسبانية عن محمد ﵊ ولا يعرف كاتبها، ويرجح ناشرها دياز أنها من عمل أحد النصارى المستفزين. وهذه المقالة تصور النبى ﵊ بصورة مجافية للذوق ومعاكسة لصفاته، فتزعم- زورا وبهتانا أنه كان كاذبا مبتدعا شهوانيا، وأنه دعا عربه المتوحشين إلى أن يتخلوا عن الوثنية، وأن يعبدوا إلها ماديا فى السماء على شكل كرة مادية، وتزعم هذه المقالة الزائفة أن إبليس ظهر لمحمد﵊- مدعيا أنه الملك جبريل، وأخبره أن الرب أرسله ليبشر العرب بما كان قد سمعه فى مدارس المسيحيين ويدعوهم إلى عبادة ذلك الإله المادى فى السماء وهجر عبادة الأوثان. وتزعم المقالة البذيئة أن محمدا ﵊ عندما مات تعفنت جثته فقامت الكلاب والخنازير بالتهام الجثة العفنة أستغفر الله.
وقد نجم عن هذه المقالة المنحطة أن تشيع بها بعض الرهبان فظهرت حركة فى قرطبة فى منتصف القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى، يقوم أفرادها بسب النبى ﵊ علنا فيؤخذ أفرادها إلى القاضى فيكررون السب والشتم للنبى ﵊، الأمر الذى أدى إلى إصدار حكم الإعدام على عدد منهم، تذكر المصادر الأسبانية أن عددهم يبلغ زهاء ٥٠ شخصا، وسمّت تلك المصادر تلك الحركة بحركة الاستشهاد فى قرطبة وبدأت تلك الحركة براهب يدعى بيرفكتوس الذى ذهب إلى السوق فسأله بعض عامة المسلمين عن رأى النصارى فى المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام فرد قائلا بألوهية المسيح ووصف محمدا عليه الصلاة
[ ٢٥ ]
والسلام بتلك الصفات الواردة فى المقالة الأسبانية، فقبضوا عليه وأخذوه إلى القاضى فأصر على موقفه فصدر الحكم بقتله. وقد سار على منواله عدد من الرهبان، منهم بول الفارو، وأولوخيو أسقف طليطلة الأسمى. وأولوخيو كتب رواية عن هذه الحركة وسبّ النبى ﵊ فحكم عليه بالإعدام سنة ٢٤٥ هـ/ ٨٥٩ م. وبول الفارو هو الذى كتب سيرة أولوخيو بعد مقتله.
والاثنان اعتقدا بأن ظهور الإسلام وانتشاره إنما هو الإعداد النهائى لظهور المسيح الدجال، أو هو الدجال نفسه. ومما أورده أولوخيو فى روايته لتلك الحركة أن ثلاثة من الرهبان الأسبان هم جورجيوس، وأورليوس، وناثاليا كتبوا نصا عن آلام المسيح. وقد احتوى النص على هجوم متعصب حاقد على الإسلام ونبى الإسلام ﵊ فوصف الإسلام بأنه «العقيدة الضالة، وخدعة الشيطان الماكرة وأن الإسماعيليين (أى العرب أبناء إسماعيل ابن إبراهيم ﵉) يجلّون نبيّا كاذبا، صدّقوا أنه من خلاله يكون طريق الخلاص، وأن نبى المسلمين إنما هو- بزعمهم- غادر بطبعه ومؤمن بإبليس، وهو وكيل المسيح الدجال، والمستنقع لكل الرذائل، والذى سوف يلقى به فى جهنم، ومن خلال تعاليمه العقيمة كتب على أتباعه عذاب النار السرمدى، وأن الذى تراءى له فى هيئة ملاك إنما هو الشيطان» . ولا شك أن هذه الحركة الحاقدة المتعصبة فى قرطبة وما صاحبها من كتابات الرهبان المقيتة قد أسهمت بدور كبير فى صياغة العقيدة الغربية تجاه الإسلام والمسلمين فى أوروبا طوال العصور الوسطى وإلى اليوم فى الولايات المتحدة الأمريكية.