١٩ - قال الشيخ النواوي: عن علي ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "ما عَبَدْتُ صَنَمًا، ولا شَرِبْتُ خَمْرًا، وما زِلْتُ أَعْرِفُ أنَّ الَّذي هُمْ عَلَيْهِ كُفْر (٣).
وكان يُعرَف في قومه بالأمين لما شاهدوه من أمانته وصدقه وطهارته، فلما بلغ ثنتي عشرة سنة خرج مع عمِّه أبي طالب إلى الشام حتى بلغ بصرى، فرآه بَحِيْرى الراهب، فعرفه بصفته، وجاء فأخذ بيده، وقال: هذا سَيِّدُ العالمين، هذا رسول ربِّ العالمين، هذا يبعَثُه الله حجَّةً للعالمين. قالوا: فَمِن أين عَرَفْتَ هَذا؟ قال إنَّكم حين أقبلتُم من العقبة لم تبق صخرة ولا حجر إلا
_________________
(١) الرمص: وسخ أبيض يجتمع في الموق، ورمصت عينه: من باب فرح، والنعت أرمص.
(٢) ١/ ١١٩ في "الطبقات" باب ذكر أبي طالب وضمه رسول الله - ﷺ - إليه وخروجه معه إلى الشام في المرة الأولى.
(٣) ذكره النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" ١/ ٢٤ بدون سند.
[ ١ / ٣٦ ]
خرَّ ساجدًا، ولا يسجد إلا لنبيّ، وإنا نجده في كُتبنا، وسأل أبا طالب أن يردَّهُ خوفًا من اليهود (١).
ثم خرج - ﷺ - ثانيًا إلى الشام مع ميْسَرَة غلام خديجة في تجارة لها قبل أن يتزوجها حتى بلغ سوق بصرى، فلما بلغ خمسًا وعشرين سنة تزوج خديجة.
٢٠ - عن ابن عباس ﵄ عن أبيه أنه كان ينقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت، قال: وأفردت قريشُ رجلين رجلين: الرجال ينقلون الحجارة، والنساء تنقل الشِّيْد قال: وكنت أنا وابن أخي، وكنا نحمل على رِقابِنا وأزُرُنا تحت الحجارة، فإذا غَشِينا النّاسُ، اتَّزرْنا، فبينا أنا أمشي ومحمد - ﷺ - أمامي، قال: فخرَّ وانبطح على وجهه، قال فجئتُ أسعى، وأَلْقَيتُ حجرى وهو ينظر إلى السماء، فقلت: ما شأنُك؟ فقام فأخذ إزاره، وقال: "نُهِيتُ أن أمْشِي عُرْيانًا" فكنت أكتمها الناس مخافة أن يقولوا: مجنون. أخرجه البيهقي (٢).
_________________
(١) أخرجه الترمذى في "سننه" (٣٦٢٤) في المناقب: باب ما جاء في بدء نبوة النَّبي - ﷺ -؛ والحاكم ٢/ ٦١٥، ٦١٦، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" ١٢٩، ١٣١، والبيهقي في "دلائل النبوة" ١/ ٣٧٠، ٣٧٢، وذكره الحافظ في "الإصابة" ١/ ١٨٣، وقال: وقد وردت هذه القصة بإسناد رجاله ثقات من حديث أبي موسى الأشعري أخرجه الترمذي وغيره، ولم يسم فيها الراهب، وزاد فيها لفظة منكرة وهي قوله: "وأتبعه أبو بكر بلالًا" وسبب نكارتها أن أبا بكر لم يكن حينئذٍ متأهِّلًا، ولا اشترى يومئذٍ بلالًا فهي وهم من أحد رواته.
(٢) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" ١/ ٣١٥ من حديث عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس، قال الحافظ في "الفتح": ومن طريقه رواه أيضًا الطبَراني، ورواه الطَّبَري في "التهذيب" من طريق هارون بن المغيرة، وأبو نعيم في "المعرفة" من طريق قيس بن الربيع، وفي "الدلائل" من طريق شعيب بن خالد، كلهم عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، وقد رواه البخارى في كتاب "الصلاة" باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها، ومسلم في كتاب الحيض: باب الاعتناء بحفظ العورة من حديث جابر بن عبد الله رضي =
[ ١ / ٣٧ ]
٢١ - عن زيد بن حارثة قال: كان صنمٌ من نحاس يقال له: إساف أو نائلة يتمسَّح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله - ﷺ -، وطفت معه، فلما مررت مسحتُ به، فقال رسول الله - ﷺ - لا تَمُسَّهُ، قال زيد فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنَّه حتى أنظر ما يقولُ، فمسحتُه، فقال رسول الله - ﷺ -: ألم تُنْهَ؟ ! قال زيد: فوالَّذي هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه. أخرجه البيهقي (١).
٢٢ - عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي - ﷺ - يَشْهَدُ مع المشركين مشَاهِدَهُم، قال فسمع ملكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقومَ خَلْفَ رسول الله - ﷺ -، قال: كيف نقومُ خلْفَه وإنما عهدُه باستلام الأصنام قريب (٢) قال: فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم. أخرجه البيهقي (٣)، وقال: قال أبو القاسم الطبراني: تفسير قول جابر: "وإنما
_________________
(١) = الله عنه أن رسول الله - ﷺ - كان ينقل الحجارة معهم للكعبة وعليه إزار، فقال العباس عمه: يا ابن أخى لو حللت إزارك فجعَلتهُ على منكبيك دون الحجارة؟ قال: فحلَّه فجعله على منكبه، فسقط مغشيًا عليه فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانًا.
(٢) ١/ ٣١٦ من حديث الحسن بن علي بن عفان العامري عن أبي أسامة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أسامة بن زيد عن زيد بن حارثة.
(٣) في دلائل النبوة "قبيلُ".
(٤) ١/ ٣١٧ من حديث عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر، وعبد الله بن محمد بن عقيل قال الحافظ في "التقريب": صدوق في حديثه لين، وروى العقيلي في "الضعفاء" ٢٩٣ - ٢٩٤ عن عبد الله بن أحمد أنه حدث أباه بهذا الحديث وبأحاديث أُخَر نقل نصوصها، فأنكرها جدًا، وقال: هذه أحاديث موضوعة، أو كأنها موضوعة، نسأل الله السَّلامة فِي الدِّين والدُّنيا، اللهم سلِّم سلِّم، وقد نقل الحديث ابن كثير في "البداية والنهاية" ٢/ ٢٨٨، وقال: أنكره غير واحد من الأئمة على عثمان.
[ ١ / ٣٨ ]
عهدُه باستلام الأصنام قريب" يعني أنه شهد من استلم الأصنام، وذلك قبل أن يُوحى إليه.
٢٣ - عن جبير بن مطعم قال: لقد رأيت رسول الله - ﷺ - وهو على دين قومه وهو يقف على بعير له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم توقيفًا من الله ﷿. أخرجه البيهقي (١).
وقال: "على دين قومه" معناه: على ما كان قد بقي فيهم من إرث إبراهيم وإسماعيل في حجهم ومناكحتهم وبيوعهم دون الشرك، فإنه لم يشرك بالله ﷿ قطُّ.